7/3/2019 08:50 AM

"العاصمة" رواية نمساوية تسرد إشكالات الاتحاد الاوروبي

سارا بريس:

"العاصمة" رواية للكاتب النمساوي روبرت ميناسه، حازت عام 2017 جائزة الكتاب الألماني، ونالت احتفاء نقديا وجماهيريا واسعا، و أثارت نقاشا كبيرا حول أوروبا والاتحاد الأوروبي ومؤسساته، وتعتبر الرواية الأولى التي تتناول الاتحاد الأوروبي. هذه الرواية الإشكالية اختار الكاتب المصري المقيم في المانيا سمير جريس ان يترجمها الى العربية ليقدمها الى القراء العرب وصدرت الترجمة حديثا عن دار "آفاق" في القاهرة.
عن الرواية قالت صحيفة "زودّويتشه تسايتونغ": "في هذه الرواية يسير ميناسه متوازناً على حبل عال مشدود بين الرواية البوليسية والرواية الاجتماعية". أما أسبوعية "دي تسايت" فرأت أنها "رواية أنيقة، رائعة البناء، ومفعمة بالسخرية والأفكار." وقالت عنها"الإذاعة النمساوية": "ليست "مجرد رواية أفكار أو رواية حقبة بكاملها، كما أنها ليست بارعة فحسب، إنها رواية ممتعة ومحفزة وكاشفة، تظهر فيها أوروبا في ضوء جديد."
ووفق موقع "ليتريكس" الألماني فإن روبرت ميناسه أحد الكتاب الشغوفين بأوروبا. مرة بعد أخرى دافع الكاتب النمساوي عن مشروع الوحدة الأوروبية في كتابات سجالية، فلسفية وسياسية، وفي الوقت نفسه كان يُعرب عن قلقه الناجم عن الأخطار المحدقة بالاتحاد الأوروبي، في ما يتعلق بالتضامن والإنفتاح نحو العالم والإستقرار، وذلك عبر النكوص إلى التفكير القومي، والصراعات التنافسية، والبيروقراطية، وضيق الأفق. في مقالته المنشورة عام 2012 بعنوان "الرسول الأوروبي" تساءل ميناسه عما إذا كانت المفوضية الأوروبية "صالحة لكتابة رواية". وها هو يجيب عن السؤال بروايته المتألقة "العاصمة" التي فازت بجائزة الكتاب الألماني في عام 2017، ثم غزت قوائم أفضل المبيعات، وأحدثت نقاشا حيويا في المنطقة المتحدثة بالألمانية.
بعد استقصاء وبحث استمرا سنوات في بروكسل، وجد الكاتب شكلاً لروايته الحافلة بالشخصيات، وهو ما يذكرنا بالفيلم الكلاسيكي للمخرج روبرت ألتمان "شورت كاتس". ولكن بدلاً من التركيز على شخصية أساسية فإننا نصادف هنا – وهو ما يتطابق مع المؤسسة الأوروبية المتعددة الأطراف – سلسلة من الأشخاص الفاعلين الذين يتقابلون بعضهم مع بعض في متاهة المؤسسات الأوروبية في بروكسل، إما مصادفة أو بعد ترتيب، فيعقدون تحالفات، أو يتحاربون ويحيكون المكائد بعضاً البعض. ويلفت النظر أننا لا نجد مبادئ مشتركة حقيقة تجمع بينهم، أو تفاعلاً بين الشخصيات، بل إن كلاً منهم يعدو وراء مصالحه الذاتية الضيقة. وهنا تظهر أيضا المبالغة الساخرة التي تجعل قراءة البورتريه الذي كتبه روبرت ميناسه عن الاتحاد الأوروبي قراءة ممتعة للغاية.
المحور الذي تدور حوله هذه القصص الحافلة بالوقائع هو الحدث الكبير المرتقب، الاحتفال باليوبيل الذهبي لتأسيس الاتحاد الأوروبي. من أجل إقامة "مشروع اليوبيل الكبير" طلبت فينيا كسينوبولو، المديرة القبرصية في الإدارة العامة للثقافة، من الموظفين لديها أفكارا جديدة. خلال رحلة عمل رسمية إلى بولندا يعثر الموظف النمساوي مارتِن سوسمان - وهو ابن أحد مربّي الخنازير وشقيق أحد العاملين في "جماعة اللوبي" لصالح مربي الخنازير – على الفكرة المناسبة، وهي جعل أوشفيتس مركز الاحتفالات: على المكان الذي وقعت فيه الجريمة الألمانية ضد البشرية أن يصبح رمزا لـمقولة "لن يتكرر ذلك أبدا"، ورمزا للتغلب على المشاعر القومية ولتجاوز المصالح الأقلوية لكل دولة. هذه العلاقة الغريبة والقاتمة ستصبح المحرك للحملة التي يصورها ميناسه بوعي تاريخي تحليلي حاد، وبروح دعابة عالية. خنزير بلا صاحب يظهر في بداية الرواية وهو يركض بلا هدف في شوارع بروكسل، هذا الخنزير هو الصورة المرحة المعبرة التي يتكرر ظهورها حتى نهاية الرواية.
في طواحين المشروع المحمل بالأهداف الأخلاقية، والذي تحيط به نقاشات بابلية لا يفهم فيها أحد أحداً، نقابل ناجياً من الهولوكوست انتهى به الحال نزيلاً في دار مسنين في بروكسل، وأستاذَ اقتصاد متقاعداً يريد إقامة "عاصمة أوروبا" المثالية على أرض أوشفيتس. تتقاطع طرق الشخصيتين في مقابر الجنود حيث يرقد المناضل في حركة المقاومة برونفو، جد المفتش الجنائي الذي يحقق في جريمة قتل ثم يكتشف مؤامرة يقف الفاتيكان وراءها.
وسط كل هذه التشابكات المحفوفة بالمجازفة يمسك ميناسه بكل اقتدار بخيوط الرواية، راسماً صورة معقدة للأوضاع الاجتماعية تختلط فيها الكوميديا بالتراجيديا، كما تختلط فيها جدية الرؤية الأوروبية بالسخرية من عملية تفكيكها على نحو يُصيب القارئ بالدوار. وخلف تلك الصورة تظهر انعكاسات متقنة لملحمة أوروبية كبيرة أخرى، وهي رواية روبرت موزيل "رجل بلا صفات"، التي تعتبر بمثابة تغريدة البجعة في عصر الملكية النمساوية المجرية، وهي كذلك صرخة تحذير لمصير الاتحاد الأوروبي، وهي صرخة نأمل في أن تظل مجرد خيال.
ولد روبرت ميناسه في فيينا عام 1954، وقد نال عددا كبيراً من الجوائز، أهمها "جائزة الكتاب الألماني" في عام 2017، وتعتبر هذه الجائزة الرديف الألماني لجائزة "البوكر" البريطانية، وتُمنح الجائزة الألمانية عشية معرض فرانكفورت للكتاب لأفضل رواية صدرت خلال العام.