5/1/2019 08:17 AM

أهلاً بـ "الرجال الزرق" من كواكب أخرى عام 2019

غادة السمان

كدت أكتب لكم في سنتنا الجديدة معاً عن العرافات والعرافين الذين يجدون أن موسم رزقهم قد حلّ مع مطلع كل سنة جديدة.. ويُغرقون القارئ بالنبوءات كما لو كان كتاب الغيب قد وصلهم كهدية بالبريد المسجل!.. وتَصْدق بعض النبوءات التي بوسع أي مواطن عادي توقعها انطلاقاً من وضعنا الحالي العربي و«كذب المنجمون ولو صدقوا».. وكدت أقوم معكم بجولة على العام الراحل (الذي سيسعدني والكثيرين دفنه) وليس فيه ما يثير الاعتزاز بعروبتنا والجرح الفلسطيني ما زال ينزف.. وكدت أبكي البوصلة القومية التي أضعناها في غمرة أحداث لا تدعو إلى الفخر.. ولكنني عاهدت نفسي من زمان على عدم (النق) بمناسبة السنة الجديدة ولا البكاء على أطلال عام مضى لم يكن فيه ما يدعو للفخر الوطني.. يجتذبني خبر شبيه بعشرات الأخبار التي طالعناها مؤخراً عن وجود كواكب غير كوكب الأرض تصلح لحياة البشر (بصورتهم الأرضية) وأنه مثلاً يوجد في المريخ ما يكفي من الأوكسجين لحياة بشرية أو تشبه ما نعرفه في كوكبنا.

هذا بيتي، فأين كوكبي الحقيقي؟
يقول صموئيل كارمان: الكرة الأرضية هي مستشفى مجانين النظام الشمسي!
يقول هنري دافيد ثورو: ما جدوى أن تمتلك بيتاً إذا كنت لا تمتلك كوكباً معقولاً تضع بيتك فوقه؟ وهو ما كتبته في «ع غ تتفرس». أقول لكم باستمرار: يأتي الألم حين نتوهم أن همومنا الذاتية أكبر من الكرة الأرضية.
مجرتنا ليست أكثر من نقطة في مجرات الكون الشاسع.
تقول أساطير الأقدمين وبعض الهندوس: الأرض مسطحة، محمولة على أربعة أفيال، والأفيال واقفة على صدفة سلحفاة بحرية، والسلحفاة البحرية تسبح في محيط لا متناهي الاتساع!
وكانوا يتصورون الأرض مسطحة وثابتة في مركز الكون، بينما تدور حولها بقية النجوم والكواكب، بل والشمس أيضاً (!) مرة كل يوم، وبالتالي كان للأرض في نظرهم أهمية استثنائية قياساً إلى بقية الأجرام السماوية.
وجاء العلم وقام بتعرية كوكبنا الصغير من الأساطير، ولكنه لم يستطع بعد تعرية أوهامنا بأن مخلوقات الكواكب الأخرى إن وُجِدَت، عليها أن تشبه الإنسان الأرضي، أو أنها شريرة بالضرورة تريد احتلال كوكبنا بعجرفة كما في بعض الأفلام، حيث يأتي رجال خضر أو زرق من كواكب أخرى ولا يتجاوبون مع الود الإنساني في الاحتفاء بهم، بل يريدون الاحتلال والأذى (كما تفعل إسرائيل مثلاً في الأرض المحتلة من فلسطين).

بين المحبة الكونية والفضول العلمي!
فيلم المخرج الكبير سبيلبرغ E.T. يجعلنا نعطف على كائن فضائي خلفته سفينته الآتية من كوكب آخر على كوكب الأرض، يحنو عليه طفل، يقوم بحمايته وإطعامه وينضم إليه أخواه. هاجس E.T. العودة إلى كوكبه ويدعوه «Home» أي البيت.
قدم سبيلبرغ فيلماً مبدعاً، لكن كائنه الفضائي كان شبيهاً بالإنسان من حيث افتقاد وطنه وقومه وبيته، ونحن في انتظار إبداع لا يجعل أي E.T. من كوكب آخر شبيهاً بنا نفسياً ولا يشيطنه كما في فيلم «المريخ يهاجمنا»، بل يخترع له صورة مختلفة! نحن البشر سكان كوكب الأرض متى نرى سكان الكون على نحو آخر؟ والخالق العظيم قادر لو شاء على خلق حياة مختلفة في كواكب نائية.. قد نفهمها أو يكون عقلنا قاصراً عن ذلك، ولعلنا لا نعرف عن الكون إلا ما يعرفه ضفدع في قاع بئر!

لماذا الأوكسجين.. والبندورة!
ما نزال حين نتحدث عن كوكب آخر تم اكتشافه نتساءل: هل فيه أوكسجين يكفي لحياة الإنسان؟ وماذا عن الماء للشرب؟ ثمة علماء يقومون باستمرار بدراسة المريخ أو بسواه من الكواكب القريبة منا نسبياً قياساً إلى الحاجات الحيوية (للجنس البشري). بل إن هناك من يطمئننا إلى إمكانية زراعة (الطماطم) على سطح القمر!.. ولكنني باستمرار أتساءل: لماذا نبحث عن حياة بشرية تشبه حياتنا على سطح الكواكب الأخرى؟
وهل كثير على الخالق تعالى أن يخلق مخلوقات أخرى في كواكب أخرى لها حاجات أخرى غير الأوكسجين والماء؟

مخلوقات تتجاوز خيالنا العلمي البشري
أعترف أنني ما زلت أضحك من اختبارات زراعة الطماطم على سطح القمر وسواه. فمجرتنا وسواها كثير، تفتح آفاقاً لم تخطر لبعضنا ببال حول (سكان) الكواكب الأخرى الذين لا يشبهوننا بالضرورة، أما الصورة التقليدية للرجال الزرق من كواكب أخرى القادمين لاستبعاد سكان كوكبنا فهي صورة عن أعماقنا البشرية التي تفكر دوماً في استبعاد الآخر حين يمكنها ذلك!
ولكنني لا أستطيع تطمين أحد إلى أن سكان الكواكب الأخرى لن يفعلوا ذلك إذا استطاعوا غزو كوكب الأرض! ولا دليل علمياً عندي أو عند سواي حول ذلك.. أو ضده!

أهو الهرب من واقع الحال؟
لست متأكدة من أنني حاولت الهرب من استعراض عام مضى لا يشرفنا كعرب في مواجهة إسرائيل إلى الحديث عن كواكب أخرى أهرب إليها ومجرات أخرى لا يعرف العلم عنها الكثير..
لكنني أعود الآن إلى كوكب الأرض.. أعود لأقول (دون أن أكون عرافة) إن عام 2019 لا يبشر بالكثير من الخير لنا نحن العرب.. بوصلتهم قضية فلسطين.
ولعل ما تقدم مما سطرته عن الكون كان هرباً من نبوءة شبيهة بنبوءة خاتون عرافة روايتي الأولى «بيروت 75» وبقية رواياتي، والتي قالت حرفياً: «أرى دماً.. وصحت نبوءتها وقامت الحرب في لبنان..
لا تقلقوا، سأقتل «خاتون» في روايتي المقبلة! ولكن، هل في وسعنا بقتلها إنقاذ عالمنا العربي من مصير لا يبشر بالخير في العام الآتي؟ وهل قتل العرافات في الروايات يقتل الهزائم والأحزان الآتية؟ من طرفي، سأظل أحاول رفع راية التفاؤل..