6/12/2018 09:30 AM

رحلة صعود أردوغان نحو الهاوية.. استغل مشروع الشرق الأوسط الكبير ثم انقلب عليه

سارا بريس:

 يستعرض الكاتب محمد أمين المصري في مقاله الجديد بصحيفة الأهرام المصرية، دور تركيا في إدارة “مشروع الشرق الأوسط الكبير” الذي أعدته الولايات المتحدة الامريكية لخدمتها، وكيف رحب واستغل حزب “العدلة والتنمية” الحاكم بقيادة أردوغان بالمشروع الذي رفضه من قبله حزب “الرفاه” بزعامة السياسي الإسلامي نجم الدين أربكان.
وجاء في المقال:
رفضت تركيا – خلال فترة صعود نجم حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان عقب عام 2002 وحتي العام 2010 – تصنيفها كقطعة شطرنج يحدد العالم موقعها علي الخريطة السياسية ويرسم لها أطر تحركها الدولي‏، ‏ فتبنت سياسة خارجية ذات ملامح متعددة‏، على أن تكون القوة الناعمة الوحيدة في المنطقة والعالم عبر دبلوماسية متعددة الأبعاد تستهدف من خلالها أن تكون دولة محورية وقوة عظمي في النظام العالمي الجديد.
وانغمست تركيا خلال هذه الفترة في القضايا والمشكلات والأزمات العربية كمدخل رئيسي لتحقيق مكتسبات إقليمية ودولية، بغية الحصول علي دور إقليمي مهم في الشرق الأوسط، ثم تعزيز موقعها أمريكيا وأوروبيا. ولم تترك تركيا فرصة إلا واستغلتها لتحول بوصلتها نحو الشرق مستفيدة بمجموعة من العوامل التي وفرها المناخ السياسي التركي والمنطقة بصفة خاصة، مثل: كثرة الأزمات العربية – العربية، والعربية – الإسرائيلية، وهو ما أثار شهية أنقرة لطرح نفسها علي أنها حلالة عقد العرب ومشاكلهم وأزماتهم الداخلية والبينية.
وأسهم الفشل العربي في لجم وتقويض النفوذ الإيراني المتعاظم سياسيا وطائفيا، في عملية تكثيف التدخل التركي في الشئون العربية، وهو ما عزز رغبة أنقرة في إيجاد معادل سياسي لمزاحمة النفوذ الإيراني في المنطقة، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وأركان حكمه حينذاك لاستغلال مقومات إطلاق ” إمبراطورية تركيا الكبرى”، ليبني إستراتيجية متعددة الأبعاد مع ازدواجية سياسية تقبل الانضمام للاتحاد الأوروبي وتقترب من الشرق في الوقت نفسه. ولم تغب عن هذه الإستراتيجية إظهار المحفزات التركية التى تجعل من هذه الإمبراطورية كيانا يلقى القبول الأمريكي والأوروبي.
ولذا، فقد طارت تركيا آنذاك مستغلة “أجنحتها المتعددة” التي تمتد من الشرق الي الغرب بحكم موقعها الجغرافي ومكانتها التاريخية بعد رفضها تأطيرها جغرافيا في كيان محدد، وذلك وفقا لوصف أحمد داود أوغلو وزير خارجيتها الشهير والمنظر السياسي والإستراتيجي للحقبة الأردوغانية قبل تباعد الرؤي بينه وبين الرئيس التركي، ولتؤكد تركيا أن الازدواجية السياسية تقبل المسجد والكنيسة معا. فالمسحة الدينية لـحزب العدالة والتنمية ليست بديلا للعلمانية. وهنا صعد النجم التركي علي حساب فراغ القوة في المنطقة، لتؤسس أنقرة إستراتيجية “صنع في تركيا” بدلًا من انتظار الدور المرسوم. ولتستعيد تركيا الحديثة نظرتها إلى هذا العالم الجديد لتطرح نفسها “نموذجا أمثل” للمنطقة يكرس فكرة الاستقرار، ليس عن طريق إعادة الحلم العثماني القديم، بل بإظهار المعالم التركية الجديدة، لتكون الدولة البازغة في أفق الشرق.
أسباب سعى تركيا لتعظيم دورها المحوري فى المنطقة
لقد أسهم ما حدث من تقلبات وتحولات بالمنطقة فى أن تستعيد تركيا دورًا محوريًا ومركزيًا في خريطة الشرق الأوسط التي يتصارع عليها العديد من اللاعبين.. ولكنه ربما يكون دورًا وليس تأسيس وتدشين “إمبراطورية عثمانية جديدة”، ونقتبس هنا جملة مهمة جدا لأحمد ماهر وزير الخارجية الراحل شدد فيها على ضرورة ألا يتحدث العرب عن الماضي العثماني وضرورة النظر بجدية الي أهمية الدور التركي الايجابي وتجنب الحديث عن “عودة العثمانيين” من جديد، فهذا كلام لا يساعد على حوار ولا يفيد العرب، بل يجعلهم سجناء الماضي والتاريخ ويحجب النظر للمستقبل والتطلع لما هو قادم لأن تركيا دولة لها ثقلها فى العالم وليس فى الإقليم فقط. وأشار ماهر الي ضرورة الاستفادة من تركيا اقتصاديا وعلميا لكونها دولة متقدمة فى أكثر من مجال، ويشير هذا الكلام الي فكرة القبول العربي عموما بدور تركي متعاظم بالمنطقة.
كما لا ننسي هنا مقاصد المنظر السياسي والإستراتيجي لأردوغان قبل انقلاب الأخير عليه، ونقصد وزير الخارجية التركية السابق أحمد داود أوغلو، الذي أكد – في كتابه “العمق الإستراتيجي والمكانة الدولية لتركيا”- إيمانه بأن التاريخ والجغرافيا لأي بلد هما العنصران الأساسيان اللذان تبنى عليهما الإستراتيجيات، ومن هنا جاءت نظريته حول العمق الإستراتيجي والتفاعل القوي مع هذا العمق الذي يمتد باتجاه العالمين العربي الإسلامي، والقوقاز، وأرمينيا وإيران وأيضا أوروبا، أي أن على تركيا أن تمتد غربا كما تمتد شرقا، وفي كل الاتجاهات، خصوصا أن حدودها المتعددة وهويتها المركبة بين آسيا وأوروبا تسمح لها بذلك، بل تجعلها واجبا عليها. وبما أن نظرية أوغلو كانت ثبات التاريخ والجغرافيا ولا يمكن تغييرهما، فإن المتغير الذي يجب العمل عليه هو طريقة قراءتنا لهما. ومن هذه النظرية تحديدا، عملت تركيا علي أن تكون رائدة لنظام إقليمي تفصله علي مقاسها ويستند على 4 عناصر كما يحددها أوغلو:
1- علاقات سياسية رفيعة، وأمن للجميع، وتكامل اقتصادي، وتعاون ثقافي، الأمر الذي سبق وأشرنا اليه بكلام أحمد ماهر.
2- الربط بين مصير الدول العربية وتركيا معا والتشابك عبر علاقات إستراتيجية.
3- ضرورة استغلال الثقل الحضاري لتركيا كبلد مسلم وسني كبير يتجه نحو عالم منفتح.
4- أهمية استغلال موقع تركيا الجغرافي ووجودها في قلب العالم، ليرسم لها مكانا مركزيا ومحوريا، يؤهلها للعب دور قيادي.
حلة التوافق مع رؤية “المحافظين الجدد”
لقد توافقت رغبة أنقرة هذه مع الرؤية التي رسمها أوغلو في لعب تركيا دورا كبيرا بالمنطقة، مع التمهيد الأمريكي لمشروع “الشرق الأوسط الكبير”عقب تولي جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة ووقوعه تحت سيطرة جماعة ” المحافظين الجدد” وعلي رأسهم كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية ومروجة المشروع، وديك تشيني نائب الرئيس ووزير الدفاع ورئيس هيئة موظفي البيت الأبيض، ، ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وبول وولفوفيتز نائب وزير الدفاع والمنظر الإستراتيجي للمشروع ومهندسه. فقد تحدث الإعلام الأمريكي والدولي عن مصطلح ” مشروع الشرق الأوسط الكبير” حينما هيأت واشنطن والقوي الدولية الأجواء المناسبة لإعادة تصميم ورسم حدود المنطقة وأركانها الرئيسيين.
وقد استغل مروجو المشروع هذه السنوات تحديدا لأنها الفترة التي شهدت خلالها تناميا في الإقبال علي التدين من قبل القاعدة الشعبية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وتركيا على وجه الخصوص، وتصاعدا لأطروحات الإسلام السياسي. وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش الرائد الدولي لهذا المشروع وغلاة مستشاريه ينظرون نظرة سيئة للتيار الإسلامي في الشرق الأوسط، وقد أدركوا أن هذا الموقف المعادي للإسلام لم يحقق شيئا سوى تعزيز العداء للولايات المتحدة في المنطقة. ودفعت هذه المواقف واشنطن الى الدفاع عن الأنظمة العلمانية والديكتاتورية القائمة في الشرق الأوسط ودعم سياساتها ضد شعوبها. بيد أن هذه الخطط فشلت ولم تحقق تلك السياسات المعادية للإسلام علانية شيئا في المنطقة، ولم تعد بالنفع على الولايات المتحدة نظرا لأن الميراث السياسي والاقتصادي السيئ الذي خلفته الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة أسفر عن مساع واتجاهات مختلفة في فئات الشعب والبحث عن حلول إسلامية على وجه الخصوص. وهذا يعني أن مشروعات الإسلام السياسي كانت رد فعل ومحاولة لإيجاد أجوبة على الوضع المتردي على المستوى الاقتصادي والسياسي والقانوني. الأمر الذي جعل الحضور التركي على المسرح السياسي العربي والإسلامي واقعا سياسيا واقتصاديا مقبولا.. ولأن تركيا أعادت اكتشاف نفسها مجددا ، فهي مصممة على الانفتاح الواسع والإيجابي على العالمين العربي ومنطقة الشرق الأوسط.
نعود لأوضاع المنطقة للوراء قليلا حيث يري عبد الله السلومي الخبير الإستراتيجي التركي الذي التقيته خلال مهمة صحفية في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، أن الزعيم الدولي (الولايات المتحدة) تعلم الدرس من أخطائه وقرر إتباع سياسة مغايرة تماما في الشرق الأوسط، إذ أقنع المستشارون بوش أنه لم يعد هناك إمكانية وفائدة من مواصلة السياسات الداعمة للأنظمة القمعية والاستبدادية، وذلك بالأخذ في عين الاعتبار الموجة الإسلامية المرتفعة بالمنطقة التي قرر الأمريكيون دعمها بسرعة والتخلي عن مساندتهم السابقة عن أنظمة المنطقة. لكن كان لابد من إيجاد عنصر جديد من العالم الإسلامي قادر على إدارة هذا المشروع الأمريكي لتوجيه الموجة الإسلامية المتصاعدة بما يخدم أهداف واشنطن.. والسؤال: ما هي الطريقة التي يتم التحكم من خلالها في هذه الموجة الإسلامية المتصاعدة، وتوجيه سرعتها بطريقة تخدم مشروع الشرق الأوسط الكبير؟ ومن أين كان ينبغي البدء؟ مع أي دولة وأي عنصر؟
ويرد السلومي علي تساؤلاته: في “النهاية وضعوا تركيا في مركز هذا المشروع ..حسنا، لماذا تركيا؟.. لأن تركيا كانت الدولة الإسلامية الوحيدة في المنطقة التي مرت بتجارب ديمقراطية في مستوى المقبول على الأقل، ووجهت قبلتها الي الغرب منذ فترة طويلة، كما لم يكن لأنقرة أية مشكلة تضعها في صدام مباشر مع إسرائيل أو الغرب”. في هذا الإطار، توجه منظرو مشروع الشرق الأوسط الكبير الى القيادات السياسية والحركات الإسلامية في تركيا -وقتما كان يشارك في السلطة حزب “الرفاه” بزعامة السياسي الإسلامي نجم الدين أربكان- وقدموا له أول عرض ويتلخص في تعهدهم بتقديم دعم كامل لتركيا في كل المجالات سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودوليا، وتحويلها الى “يابان” الشرق الأوسط، وتدعيمها من كل الجوانب شريطة الالتزام بثلاثة أمور جوهرية والحفاظ عليها.. حسنا، ما الخدمة التي كانوا ينتظرونها في المقابل:

 أمن إسرائيل
تطوير مشروعات تحديث للإسلام وتعميمها على كل الدول الإسلامية
ألا تكون تركيا فاعلا إقليميا على موارد الطاقة بالمنطقة (بترول العراق وإيران والغاز الطبيعي وموارد الطاقة).. أي عدم ممارسة أي دور نشط في مصادر الطاقة وعدم المشاركة في اللعبة قطعيًا.
هكذا طرح مروجو المشروع المرحلة الأولى لفكرتهم، ثم تم إضافة شرطين آخرين على هذه البنود الأولي، وهما:
• عدم محاولة تركيا (الإسلامية المعتدلة) – وفقا للمشروع – تزعم العالم الإسلامي سياسيا كلما تعزز حكم الإسلاميين هناك.
• منح أكراد المنطقة حقوقهم السياسية والثقافية تدريجيا، (بالنهاية إتباع سياسات تخدم قيام دولة كردية مستقلة بالمنطقة).
ويسترجع عبد الله السلومي الي الأذهان كيف رفض حزب “الرفاة” ورئيسه نجم الدين أربكان هذا المشروع بشدة واصفا إياه بأنه “مشروع صهيوني” لأنه يهدف لتمزيق الدول الإسلامية بالمنطقة. ولمح أربكان علانية في خطاباته التليفزيونية تكرارا وخلال النقاشات اللاحقة نية واشنطن تدشين المشروع من سوريا والعراق، حيث سيتم تحييد الأنظمة السياسية هناك بطريقة ما وستتعرض البلدان للتقسيم، مع الأخذ في عين الاعتبار الجماعات والطرق التي قد تشكل تهديدا على هذا المشروع، فضلا عن العناصر السياسية التي ستؤيده.
إلا أن النجم التركي الصاعد في المنطقة آنذاك رجب طيب أردوغان الذي يستفيد من كل ما حوله قبل أن ينقلب عليهم لاحقا بعد أن ينال مبتغاه وهدفه السياسي، تلقف مشروع “الشرق الأوسط الكبير” واستغله لتحقيق مآربه السياسية ثم انقلب عليه لإنجاز أحلامه بزعامة العالم الإسلامي، فكثيرة هي تناقضات الرئيس التركي، فهو يجيد سياسة اللعب علي كل الحبال بما يحقق مصلحته، وكان قادة حزب العدالة والتنمية قد أدركوا – وهم يستعيدون قبل عام 2010 نظرتهم الى العالم العربي الذي يشكل المساحة الأكبر من إقليم الشرق الأوسط – مدى حساسية العرب لتاريخ الخلافة العثمانية، فتجنبوا الحديث عن مصطلح “العثمانية الجديدة” في قواميسهم السياسية لأنه يحمل حساسيات في نفوس العرب.
هذه النظرة التركية الجديدة للشعوب والدول العربية حاولت تناسي الماضي أو تجاهلته ودفعت بعض مساعدي رئيس الحكومة التركية آنذاك، الى أن يشعر بالغرور حيال شعبيته التي صورها له أركان حكمه بأنها كبيرة جدا في العالم العربي إلى درجة أنه لو ترشح للرئاسة في أي بلد عربي لحقق الفوز بها..في إشارة إلى تنامي شعبية أردوغان بعد حادثة أسطول الحرية قبل وصوله لشواطئ قطاع غزة، وقبلها تأنيب الرئيس التركي لنظيره الإسرائيلي شيمون بيريز في مؤتمر دافوس في يناير 2009.