7/11/2018 09:12 AM

جون آشبري «صورة ذاتية فى مرآة محدبة»

سارا بريس:

في عام ١٩٧٦ أصبح جون آشبري الشاعر الأميركي الوحيد الذى حاز على ثلاث من الجوائز الأدبية الأكثر أهميةً في عام واحد وهي: جائزة"البوليتزر"، وجائزة "الكتاب القومي"، وجائزة "حلقة النقاد" وذلك على ديوانه الموسوم "صورة ذاتية فى مرآة محدبة" والذى استلهم قصيدته الأساسية-وهي تعد حاليًا من معالم الشعر الاميركي- من تأمل للوحة بورتريه ذاتي لفنان عصر النهضة الإيطالي "بارماجيانينو" تحمل الاسم ذاته.
واللوحة عبارة عن صورة ذاتية رُسمت عام 1524 من قبل فنان إيطالي من الطور المتأخر من عصر النهضة؛ هو "فرانشيسكو مازولا" (1503-1540) المعروف أيضًا باسم بارميجيانينو Parmigianino، وقد نفّذها على سطح خشبي دائري محدّب بقطر ٢٥ سم وهي بذلك تعتبر لوحة صغيرة نسبيًا وتقارب في بعض تفاصيلها المنمنمات. وعمد بارماجيانينو إلى رسم وجهه ويده وخلفية المكان بتفاصيل فائقة الدقة ولكن بأبعاد معوجّة وممطوطة (خصوصًا اليد) بصورة مبالغ فيها محاكيًا بذلك اعوجاج الانعكاسات على الأسطح المحدّبة. وتتواجد اللوحة حاليًا في متحف تاريخ الفن في العاصمة النمساوية فيينا
Kunsthistorisches Museum Vienna.
وبارماجيانينو هذا هُو من أعلام مدرسة الرسم "الأسلوبية التكلّفيّة" Mannerism التي ظهرت في إيطاليا كرد فعلٍ على اسلوبيات وجماليات من سبقهم من المعلمين الكلاسيكيين لعصر النهضة مثل رافائيل ودافنشي الذين كانوا قد استنهضوا وجوّدوا قيم الفنون الكلاسيكية (اليونانية والرومانية) المعتمدة على رفع شأن الجمال الكلاسيكي والتناظر في الأشكال.
وقد بدأ الرسامون التكلّفيّون من حيث توقف أسلافهم. ولكنهم تمردوا على ما اعتبروه "وهم الكمال والتناغم المثالي في تصوير الواقع" لدى من سبقهم. وعمدوا إلى جملة من الابتكارات التي يناسب أن نصفها بـ "لزوميات ما لا يلزم"، ليس فقط عبر الاشتغال المفرط على التقنيات والتفاصيل، بل والتوكيد الدائم على تضمين اللوحة للعيوب أو التشوهات الموجودة في الواقع أو في موضوع اللوحة، بل وإبرازها كنقيض لباقي عناصر التكوين الفني. وربما عكست هذه الأسلوبيات والابتكارات التنافسية دائمًا والحشوية أحيانًا. عكست وصول فن النهضة الإيطالية الى منتهى الإمكانيات الفنية فيما يخص المهارات البشرية لناحية دقة الرسم والتنفيذ واستخدام المنظور والجماليات المعتمدة على التناظر والتجانس بين مكونات العمل، وبروز الحاجة إلى إعادة النظر في دور الفنان الذي، لم يعد مرهونًا فقط بدقة مهاراته الحرفية بل وبوجهة نظره وموقفه (مزاجه) النفسي المتفرّد ازاء موضوع اللوحة.
قصيدة  
وقصيدة "صورة ذاتية في مرآة محدبة" عبارة عن نص تأملي مطوّل، ينطلق من وصف حميم وأخاذ للوحة ولمقاصد الفنان في رسمها وعلاقة ذلك بالسياقات التاريخية والفنية لعصر النهضة الإيطالية، ومن ثم يتفرع النص في استطرادات ومقاربات، ملحمية النفَس، حول معنى الفن، والخلق والتجريب الإبداعيين، وموقف الفنان من فكرة الإلتزام بتقديم صورة مثالية للواقع ليصل إلى تساؤلات ذات طابع أوسع ووثيقة الصِّلة باللحظة المعاصرة. وما يبدأ به من استطراد في تفحص الآلية الإبداعية والقيم الفنية التي ترتجلها اللوحة، ينتهي في بعض تفرعاته إلى تساؤلات عن الشعر وموقع الشاعر وعن مغزى العمل الإبداعي عمومًا.
كُتبت هذه القصيدة بأسلوبٍ غالباً ما يوصف بأنه متأثر ومواكبٌ لمدرسة "التعبيرية التجريدية" التي شغلت المشهد الإبداعي الأميركي في الستينيات من القرن الماضي ابتداءً بالفنانين التشكيليين من أمثال جاكسون بولوك وويليام كونيغ، ثم ارتبطت بحلقات وتيارات أدبية ومسرحية من أبرزها مدرسة نيويورك الشعرية. وقد مَنحت هذه القصيدة عنوانها للمجموعة الشعرية التي توّجت مؤلفها جون آشبري بأهم ثلاث جوائز أدبية أميركية خلال عام واحد (1976) وهي: جائزة البوليتزر، وجائزة الكتاب القومي، وجائزة دائرة النقاد.
وهذه القصيدة المطولة، ترصد السياقات الفنية والفكرية والتاريخية التي ظهرت فيها اللوحة، وتناقش المستويات المتعددة لنفسية وغرض الرسام واسلوبياته في رسمها.
وبنفَسٍ ملحمي، يأخذ آشبري بالمتلقي في استطرادات عابرة للأماكن والعصور ليصل بالمتلقي بالتدريج الى إدراك أن ما بدأ كتأملٍ في تقنيات اللوحة وقضايا واهتمامات الفنان، ينتهي عبر تجريدات سردية إلى تأملاتٍ في قضايا واهتمامات الشاعر (ذات الشاعر وأي شاعر) ... والقصيدة (ذات القصيدة وأي قصيدة)...
واذا ما كان كاشفًا ومذهلاً وأخّاذًا هذا التحول في سياق القصيدة التي تصبح في نهاية الأمر بمثابة الأمثولة في فن الشعر أكثر مما هي وصف للّوحة الملهمة، فقد لزم علينا أن نبشر القارئ بأن الكثير من قصائد آشبري تباشر أو تداور وتناور لتنتهي بالحديث عن نفسها وعن مغزى الشعر وموقف الشاعر...
فآشبري هنا هو "هوراس Horace" القرن العشرين، ونتاجه الشعري المنثور على أكثر من 25 مجموعة وأزيد من 3000 صفحة يغدو بمجمله بمثابة "فن الشعر Ars Poetica "؛ ذلك المرجع الروماني الكلاسيكي.
ويُنظر إلى هذه القصيدة على أنها من أكثر قصائد آشبري مقروئيةً وانفتاحًا من حيث اللغة والأسلوب، وبالتالي فهي تميز نفسها عن العديد من قصائد آشبري الأخرى، التي غالباً ما كان يُنظر إلى أسلوبها على انه مغرق في الاستطراد التجريبي والغموض.
من قصائد جون آشبري
| صدى متأخر
في خلوةٍ مع جنوننا وزهرتنا الأثيرة
نرى انه لم يبق بِالفِعل شيءٌ للكتابة.
والأحرى، أنّ لِزامًا علينا الكتابة حول الأشياء العتيقة عينها
بالطريقة ذاتها، نكررها مرةً تلو أخرى
لكي يستمر الحب وعلى مهلٍ يغدو مختلفاً.
خلايا النحل و النمل لا بدّ من إعادة تفحصها، دائماً.
ولون هذا اليوم مدغمٌ
مئات المرات ومُبَدّلٌ بين صيفٍ وشتاءٍ
لكي يُخَـفَّـف من سرعته وصولاً الى تلك الوتيرة البطيئة
لرقصة "السربندة" الحقيقية فيمكثُ هناك، متقدًا ساكنًا.
عندها فقط يمكن للغفلة المزمنة
لحياتنا الالتفاف حولنا كالكسوة، متصالحةً معنا
وبعينٍ واحدةٍ على تلك الظلال المترفة السمراء الطويلة 
التي تتحدث بعمقٍ إلى معرفتنا المُرتجلة حول أنفسنا؛ الآلات الناطقة لحاضرنا.
ترجمة: غ خ

(*) مدونة كتبها الشاعر السعودي غسان الخنيزي في صفحته الفايسبوكية، وهي مقدمة لترجمته قصائد جون آشبري