9/10/2018 02:40 PM

صدور مذكرات الرئيس العراقي جلال طالباني باللغة العربية

سارا بريس:

عن " الدار العربية للعلوم - ناشرون " صدرت مذكرات الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني في 571 صفحة وبطبعة أنيقة توثق لحياة أحد أهم السياسيين العراقيين في التاريخ المعاصر . والكتاب الذي أعده صلاح رشيد أحد الكوادر المتقدمة السابقة في الاتحاد الوطني على شكل حوار صحفي مطول إستغرق ما يقرب من خمسة عشرة عاما ، ونشره باللغة الكردية قبل سنتين ، قام الكاتب الصحفي شيرزاد شيخاني بترجمته كاملا الى اللغة العربية أواخر تموز من العام الماضي تحت عنوان " مذكرات جلال طالباني – رحلة ستون عاما من جبال كردستان الى قصر السلام " وتولت الدار العربية مهمة طبعها وتوزيعها على مستوى الدول العربية والعالم .
وتبدأ المذكرات من مرحلة الولادة التي قضاها الرئيس الراحل في التكية الطالبانية التي تقع في مسقط رأسه، ويروي خلالها ما يتذكره من مشاهد الذكر لدراويش الطريقة الطالبانية والأجواء الدينية التي خيمت على منزلهم في تلك الفترة . ثم إنتقاله الى مدينة كويسنجق وهي قضاء من أقضية محافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان في الأربعينيات ودخوله الى إحدى مدارس المدينة ، واصفا أجواء المدينة في تلك الفترة وخاصة ما كان يسمعه الطفل الصغير من أخبار الحرب العالمية الثانية ، وسماعه لأول مرة بإسم ستالين وهتلر قادة تلك الحرب . ثم ينتقل الى مدينة كركوك لاستكمال دراسته الثانوية ، مرورا بالفترة الحاسمة في حياته حين إنتقل الى بغداد لإستكمال تعليمه الجامعي ، وإنخرطه هناك في عالم السياسة من خلال إنضمامه الى الحزب الديمقراطي الكردستاني ، بعد أن كانت ميوله في البداية لصالح الحزب الشيوعي العراقي الذي تسيد الساحة السياسية في العراق بتلك الفترة .
وبحسب ما يذكره طالباني عن تلك المرحلة الأولى من شبابه كانت بوادر القيادة بادية عليه حيث ترقى في مناصب حزبية بسرعة قياسية وأصبح عضوا فعالا وقياديا بارزا في الحزب الديمقراطي وهو في الرابعة عشرة من عمره ، ثم بروز دوره السياسي في الخمسينيات كأحد أهم قادة الطلبة والشباب من الكرد ومشاركته في العديد من المهرجانات الدولية للشباب في العالم، وتعرفه هناك على شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي أصبح فيما بعد أحد دراويشه طوال عمره المديد. حتى وصل الى أن يكون عضوا في وفد حزبي وحكومي زار الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وهو في الثلاثين من عمره ، ثم قاد الى جانب الراحل صالح اليوسفي مفاوضات القيادة الكردية مع حكومة البعث الأولى عام 1963 .
ويمر طالباني في سرده لمرحلة تكوينه الثقافي متحدثا عن رئاسته لتحرير العديد من الصحف والمجلات الكردية والعربية التي صدرت في الخمسينيات والستينيات ، وتعرفه من خلالها على العديد من الزعماء والشخصيات السياسية العراقية ولقاءاته بزعيم الثورة العراقية عبدالكريم قاسم ، ثم قادة الأحزاب من الشيوعيين الى البعثيين والقوميين وغيرهم .
ويتحدث عن أحوال الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ بداية الثورة الكردية عام 1961 ، وإنشقاقه عن هذا الحزب في عام 1964 ذاكرا أسباب ذلك بعمق ، ثم وصوله الى مرحلة التصالح بين الحكومة المركزية والقيادة الكردية وصدور بيان الحادي عشر من آذار الذي إعترفت الحكومة العراقية بموجبه بحقوق الشعب الكردي في الحكم الذاتي .
 ثم يصل في سرده الى مرحلة انهيار الثورة عام 1975 جراء توقيع إتفاقية الجزائر بين شاه ايران وصدام حسين ، والمحاولات التي بذلها لإقناع زعيم الثورة مصطفى البارزاني لمواصلة النضال وعدم الاستسلام لارادة البعث وايران ، ويتحدث عن كيفية تأسيسه للاتحاد الوطني الكردستاني بديلا عن الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي لجأ زعيمه الى أمريكا ليقضي نهاية حياته هناك ، بينما إنشغل طالباني بجمع الشخصيات والكوادر السابقة للحزب في إطار ما يشبه جبهة وطنية كردية لمواصلة النضال الثوري ، ثم إعلان تأسيس الاتحاد الوطني الذي أطلق شرارة الثورة الجديدة بكردستان بزعامته .
ويتطرق طالباني في هذه المرحلة الى علاقاته مع القادة والزعماء العرب منهم الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي ساعده في إفتتاح مقر له داخل الأراضي السورية وقدم الدعم له لمواصلة النضال ضد النظام البعثي في العراق، وكذلك علاقته بالعقيد معمر القذافي الذي ساهم بدوره في دعم الحركة الكردية ، مرورا بلقائه بالرئيس المصري الراحل أنور السادات والقيادات المصرية ، وعلاقاته المتينة كذلك مع قادة الثورة الفلسطينية وقادة الأحزاب الكردية في بقية أجزاء كردستان بأيران وتركيا.
ويصل طالباني في سرده الى مرحلة تأسيس الجبهة الكردستانية التي قادت لاحقا إنتفاضة الشعب الكردي في آذار من عام 1991 وما نتج عنها من تأسيس الإدارة الكردية المستقلة عن حكم بغداد ، مشيرا الى المراحل المبكرة من أزمة الكويت وحرب الخليج الثانية، وكيف أنه تنبأ بإحتلال صدام حسين للكويت وابلاغه المسؤولين الأمريكان بذلك مسبقا .
ويتحدث طالباني في مذكراته عن الأجواء الدولية والإقليمية والاستحضار لغزو العراق عام 2003 ، متطرقا الى مفاوضاته مع المسؤولين الأمريكان حول دور الكرد في عملية التحرير ، وتقف المذكرات عند حد إنتخابه رئيسا لجمهورية العراق وإنشغاله بالشأن الرسمي الذي حال دون إستكمال سرد بقية السنوات التي عاشها في قصر السلام كأول رئيس جمهورية كردي في تاريخ العراق .
وفي الصفحات الأخيرة من مذكراته يتحدث طالباني عن بعض الشؤون الشخصية وعلاقاته العاطفية الطريفة ثم زواجه وأولاده ، ثم يتطرق الى إنطباعاته حول الشخصيات السياسية التي عاصرها ، أو التي عمل معها أثناء سنوات الثورة، وتقييمه للقيادات التي عملت معه داخل الحزب .
يذكر أن الرئيس العراقي جلال طالباني ولد عام 1933 في قرية كلكان التابعة لقضاء كويسنجق ، وتولى رئاسة العراق لدورتين متتاليتين من عام 2006 الى عام 2012 حيث أصيب بجلطة دماغية كادت أن تقضي عليه في ذلك العام ، لكنه تقلى رعاية صحية في إحدى المستشفيات الألمانية الى أن صارعه المرض وتوفي يوم 3/10/2017 في ألمانيا ونقل جثمانه الى مدينة السليمانية حيث وري الثرى قرب منزله بمنطقة دباشان التي تحولت الى مزار شاخص يزوره القادة والشخصيات العراقية والكردية للترحم عليه.