14/8/2018 08:48 AM

حب البراري

بروين حبيب

 يستحيل أن تلفت نظرك رواية بعنوان «جميلة» بغلاف أكثر من عادي وحجم صغير لا يتعدّى المئة صفحة.. وقد لن تقرأ اسم الكاتب، ما دامت بساطة العنوان لا تأخذ القارئ إلى ما يثير فضوله. بالكاد ستجذب هذه القصة بعض المراهقين، عكس ما فعلته بقراء قارتين في زمانها.
نعم أراهن على أن قارئ هذا الزمان لن ينجذب للرواية، إلا إذا عرف من هو جنكيز أيتماتوف، لكي يدخل في عالمه، بعدها يستحيل أن يقرأه، بدون أن يشعر بسفر حقيقي إلى الأراضي الغريبة التي انبثق منها.
يكتب أيتماتوف كما لو أن في قلمه نوع من السّحر، إذ يزرع برفق في عيني قارئه كاميرا، تجعله يرى المشهد تلو المشهد بجودة عالية، حتى الألوان التي تزخر بها قرغيستان تخطف نظره وتجعله يعيش شيئا يشبه أحلام اليقظة، أمّا عن أبطاله فتلك قصّة أخرى..
لويس أراغون الشاعر الفرنسي الشهير، فتنه أيتماتوف افتتانا لم يقع تحت تأثيره أبدا، لدرجة أنه شارك في ترجمة روايته الشهيرة «جميلة» أو «جميليا» وكتب لها تقديما من أروع ما كتب للترجمات. وجميلة تحديدا كانت سفيرة الكاتب إلى العالم، هو الذي كتبها في الثلاثين من عمره، على هامش استراحته من عمله في الحقول كزراعي، حتى أن رائحة التربة والأشجار والأزهار تنبعث من لغته وكأنّها حقيقة.
لقد قام بالخيار الصّح حين هجر عمله في الحقول، وسخّر نفسه للكتابة، وكانت خطاه الوئيدة نحو الأدب مذهلة، كونه درس الترجمة بعد أن أنهى دراسة الزراعة، واشتغل في الصحافة مترجما قبل أن يكتب روائعه، وكأنّه في مرحلته الانتقالية تلك قام بمغامرة جريئة لفهم اللغة. كتب روايته الشهيرة «جميلة» سنة 59 ، تلتها روايته «المعلِّم الأول» بالقرغيزي لغته الأم، والتي سرعان ما حوّلها أندريه كونتشالوفسكي إلى فيلم سينمائي وهو لا يزال طالبا في معهد السينما في موسكو، لقد كان الحظ لكليهما قابعا عند أول منعرج سلكاه معا، إذ تألق كلاهما سريعا، وقيل إن في أدب أيتماتوف السر الحقيقي لذلك النّجاح. وليكن ما كان، فقد كانت نصوصه الأولى مباركة، ولم تتعثّر خطاه أبدا بعدها، وهو يتسلّق سلّم النجاح درجة درجة. إذ نال جوائز، وكرّم عبر محطّات أدبية جد مهمة عبر العالم.
في مقدمة الترجمة الفرنسية كتب أراغون «بالنسبة لجميلة، أنا متردد لكنني مع هذا أقول أنها أجمل قصّة حب في العالم» قصة الشاب «دانيار» المقاتل الذي أحب زوجة مقاتل آخر، ليس لأن الحب نما في داخله كرغبة للاعتداء على حق ليس حقه، بل لأن الحب مرتبط في أعماقه الإنسانية بأخلاق كبيرة، قامت أساسا على حماية من أحبَّ، والحفاظ عليه. فما معنى أن نحب شخصا ونذهب للقتال من أجل غيره، وما معنى أن نربط الحب في جبهة ونمارس الحرب في جبهة أخرى؟
إنّ الشيء الذي شعر به أراغون خلال قراءته لهذه الرواية بالذات، كان أكبر من فعل القراءة نفسه، فقد أصبح بعد معرفة كل تلك الأحداث الغريبة شاهدا على ما خبأته العقول والقلوب، في حادثة غريبة لا تحدث أبدا، لو أنّ النص كان ركيكا، أو سطحيا، أو متوقفا فقط على سرد قصّة بلا روح، أو أنّه كان صنعة لغوية كذلك النّمط الذي انتشر في فرنسا في تلك الفترة وأصاب الأدب بنوع من العطب.
لقد خرج شاهدا بمسؤولية كبيرة تجاه ما حدث، فوثّق شهادته، لتكون كلمة غير عادية، لنص فريد من نوعه، عن الحب الحقيقي، والأدب الذي لا اصطناع فيه ولا تكلُّف، حب فيه الكثير من المشاعر، والاشتهاء، لكن أيضا فيه الكثير من الاحترام. لقد أدهش بطل أيتماتوف أراغون بأخلاقه العالية وسمو مشاعره بلغة لم يألفها الشاعر الفرنسي، في ما تعوّد قراءته، لقد وجد بطلا يعشق بروحه، ويرى بتلك الروح الشفافة حبيبته «جميلة»، وكل عالمها بعينين صافيتين. وكان خجولا، وقد قيل إنه أحب فيه ذلك الخجل، الذي كان انعكاسا لشخصية أيتماتوف نفسه.
بالنسبة لأراغون، نص القرغيزي لم يكن ملغّما بما يحبه القارئ الغربي، لقد كتبه بقلم حر، طليق، مثل تلك البراري التي وصفها في روايته، وقدّم لنا كمًّا هائلا من المعرفة فيه، لقد خلا النص تماما من أي أفكار محرّضة أو مستفزّة، أو من أي أيديولوجية دخيلة غير أيديولوجية الإنسان المشتركة، تلك التي تنتصر فقط للكائن البشري أينما وجد، ضف إليها تلك المكاسب السردية الجديدة التي أبدا لم تتوفّر في النصوص الأوروبية آنذاك …
في لحظة ما شعرت بافتتان أراغون بتلك الأراضي الخام، وتلك النفوس الخام أيضا، كما أي مغامر كانت نواياه الحصول على تلك المكاسب، ثم طردت الفكرة من رأسي، كون الأدب له سطوته، في جعل الشخص يقع في حب الشيء بــدون أن يراه، ثم استدركت مرة أخرى أن جحافل المغامرين الذي انطلقوا بحثا عن الكنوز المدفونة وجبال الذهب، وآبار النفط سواء، إنّما وقعوا في أسر القصص والحكايات، ومن يدري من روى تلك الحكايات في البداية، إن لم يكونوا مجرّد أشخاص حالمين، أتقنوا تأليف ما يغوي الألباب.
إن لم تبلغ الحكاية تلك الدرجة من الإغواء فما فائدتها؟
لحظة بدأت بقراءة رواية «جميلة»، بدأت أيضا بالبحث في حياة أيتماتوف، ثم امتطيت محرّك غوغل على مدى أيام، وأنا أتجوّل في جمهورية قرغيستان، ثم ها هي فكرة السفر إليها تراودني، وأنا لست لا بمغامرة، ولا بباحثة عن كنز أو ثروة مدفونة..
بدا لي أن تلك الأرض فيها الكثير مما لم أعشه، وهذا شعور أراغون ربما، كشاعر قلّصتْ باريس والبيئة الأوروبية من حدود معرفته وانطلاقه، أعترف من باب افتتاني كقارئة أنا أيضا، أن رحلة أراغون ما كانت لتقف عند حدود رواية، ولو أنّه عاش في هذا الزمن الإلكتروني، الذي يفتح بكبسة زر أبواب العالم كله أمامنا في رمشة عين. لكان قد حزم حقائبه وانطلق نحو تلك السهوب النائمة في صفاء لم تلّوثه مداخن المصانع وضجيج المدن لإرواء عطشه.
جزء صغير من تلك الرواية كان كافيا ليعيدني إلى رحلتي إلى جورجيا، إلى تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى السّماء، وأخذت نفسا عميقا، فشعرت بأن الهواء مختلف، وقطعة السّماء تلك لا مثيل لها. ما رأيته بالضبط كان النقاء الذي افتقدته في خضم مدينة مكتظة بالمباني والضجيج، ولعلّه ذاك النقاء الذي لامس النفس الشاعرة عند أراغون، وقد قيل إن أراغون رأى نفسه في أدب أيتماتوف، فقد تشابه الرّجلان في اللغة التعبيرية، وفي التأنّي الذي يمنح النّضج للكتابة.. لكنّهما اختلفا كثيرا في ما عدا ذلك.
على المستوى العربي شعرت بأن الكاتب لم يُقرأ جيدا، مع أن الأدب الروسي مقروء أكثر من غيره عندنا، خاصة أن دور النشر تهافتت دوما على ترجمته وتقديمه لنا على أنه الأفضل عالميا. ثم تذكّرت أن الزمن العربي مغاير لحركة الزمن الأدبي، وأن هذا التصادم بين الزمنين لم يناسب مزاج القارئ الذي يقف مجبرا في جبهة القتال، تاركا جبهة الحب خلفه… بعيدا… بعيدا جدا عنه.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين