8/8/2018 08:54 AM

"إبادة الكتب".. ليست جرائم عشوائية

سارا بريس:


تتناول الكاتبة ربيكا نوث في كتاب "إبادة الكتب.. تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين"، ظاهرة حرق الكتب في القرن العشرين، وردود الأفعال على تدمير الأعيان الثقافية، مع الإشارة إلى ما يربط هذه الظاهرة بجريمتي الإبادة الجماعية والعرقية، بالإضافة إلى إلقاء الضوء على ظهور المكتبات ووظيفتها، وروابط المكتبات بالتاريخ والذاكرة الجمعية والهوية والتنمية.
ويتمحور الجانب الأكبر من الكتاب حول الإطار النظري لإبادة الكتب، وخمس دراسات: تدمير كل من النازيين والصرب ونظام صدام حسين والماويين والشيوعيين الصينيين للممتلكات الثقافية في أوروبا والبوسنة والكويت والصين والتبت.
يشير مصطلح «إبادة الكتب» (libricide) إلى مكوِّنٍ من مكونات الإبادة الاثنية، كما يشير إلى السمة المشتركة بين مصطلحي إبادة جماعية وإبادة اثنية، أيْ الإبادة. ومصطلح «إبادة الكتب» يميز استهداف الكتب والمكتبات، تحديدًا، عن الأشكال الأخرى لمحو ثقافة جماعة ما. وفي حين تعني الإبادة الجماعية حرمان جماعة بشرية كاملة من حقها في الوجود، فإن الإبادة الاثنية تعني تدمير ثقافة ما، دون إبادة أهلها أنفسهم. وغالبًا ما تحدث الإبادة الجماعية والاثنية بالتتابع، إذ تبدأ الإبادة الجماعية بإبادة اثنية أولًا، أو أنهما تحدثان بالتزامن. ومع أن موضوع الإبادة الاثنية لم يحظَ بالاهتمام نفسه الذي حظيت به الإبادة الجماعية، إلا أن النظريات المطبقة على الأخيرة يمكن أن تطبق أيضًا على تدمير ثقافة جماعة ما.
وترى ربيكا نوث، أن حملات إبادة الكتب ليست مجرد جرائم عشوائية يرتكبها برابرة وظلاميون، بل وسيلة من وسائل شن الحرب تتسم بأنها عمدية ومنهجية، توظف العنف لحرمان جماعة ما من حقوقها لخدمة أيديولوجية متطرفة، كما ترى أن محارق الكتب في القرن العشرين مرآة للمعارك بين الأيديولوجيات المتطرفة والنزعة الإنسية الديموقراطية.
يرسم هذا الكتاب الفروق الجوهرية بين مناصري الأيديولوجيات المتطرفة وذوي النزعة الإنسية. ففي حين يعمد الفريق الأول إلى نبذ المعرفة الموروثة حتى يتمكن من النظر إلى المستقبل اليوتوبي المنتظر، يسعى ذوو النزعة الإنسية إلى البحث عن الإلهام والتجديد باستيعاب الموروث. ويعتقد ذوو النزعة الإنسية أن المواد المكتوبة أساسٌ لاستمرار الثقافة والتقدم، بينما يسعى الفريق الأول إلى تسييس الثقافة القائمة أو الانقلاب عليها. ويرى مناصرو الأيديولوجيات المكتباتِ بوصفها تشكِّل معضلة: فهي أداة لتلقين الأيديولوجيا، لكنها في الوقت ذاته تتمتع بصبغة إنسانية وتحتمل وجود رؤى متناقضة، وأفكار متعارضة تعزز الفكر الحر. وهم يخشون الكتب فلا يسمحون بوصول المعرفة للناس ولا بوصول الناس إليها. ولأن الأيديولوجيات تزدهر في ظل الانغلاق الفكري، تقع الكتب والمكتبات ضحية الشك بوصفها كيانات تدعم المنظومات التقليدية الموروثة والانفتاح الفكري وبث بذور الانشقاق لدى الأفراد. في الدول الديموقراطية تحتفي المكتبات العامة بمجموعة قيم، منها توفير المعلومات. أمَّا في المجتمعات الاستبدادية، فليست المكتبات سوى أدوات لغرس الأيديولوجيا التي تقررها الدولة.
باختصار «عندما يُقدِمون على حرق الكتب، فسيؤول الأمر بهم أيضًا إلى حرق البشر أنفسهم»– الشاعر هاينريش هاينه (1797 – 1856)
 (*) "إبادة الكتب.. تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين" عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ترجمة عاطف سيد عثمان.