10/6/2018 07:48 AM

"بطل النساء" لأدولفو بيوي كاسارِس.. الجن يمنحنا الدفء

سارا بريس:

يصدر قريباً من منشورات الجمل كتاب "بطل النساء" لأدولفو بيوي كاسارِس، ترجمة رفعت عطفة. يقول المؤلف: في هذا الكتاب روايات قصيرة أكثر من قصص. "عن شكل العالم"، "المجهول يجذب الشباب"، قصتان عشتُ معهما سنواتٍ عديدة. الأولى وُلدت من مزحة مزحتها مع ابنتي مارتا، حين كانت صغيرة. ذات مساء بينما كنّا نتمشى في حديقة بِرالتا راموس في مار دِ بلاتا، انتبهت إلى أنّ الحديقة كانت تُشبه بونتا دِل إستِ فقلتُ لمارتا الصغيرة إنّنا وصلنا دون أن ننتبه عبر نفقٍ إلى شاطئ أوروغواي.
لستُ واثقاً من أنّ النقّادَ يعرفون دائماً مشاكل الكتّاب الحقيقيّة. عندما كنتُ أُبَيِّضُ قصصَ الكتابِ، أمليتُ على سكرتيرتي جملة: "بطلُ النساء ليس دائماً بطل الرجال". قالت لي: "بطلُ النساء عنوان جيّد". انتبهتُ على الفور إلى أنّها على حقّ واتّبعتُ نصيحتها. إذا ما اكتشف أحدٌ خطأً في نصوصي يبدو لي دقيقاً أشعر بنفسي سعيداً جدّاً وأُقدِّرُ إمكانيةَ تصحيحه. ما أحبَبتُ قط الغرورَ، ولا حتى حبَّ الذات. أعتقد أنّ المغرورين مقيّدون إلى الخطأ.
لا أتذكّر ما إذا كان ناقداً أم صديقة من أشار إلى أنّني في "باب يُفتَح" أعودُ لأتطرق إلى أحد هواجسي الأدبية: البحث عن طريقة لتأخير الشيخوخة. بصراحة أعتقد أنّني أعملُ في هذا السطر دون أيّ خجل. ربّما أنا أبحث عن طرقٍ أدبية على أمل أن أعثر على طريقة حقيقيّة.
من الكتاب: بطل النساء
أجنحة! حبّ النساء! معروف...
(بايرون، دون جوان، 2، 199).
وقعت الأحداث في العام 42 أو 43. ما أنا واثق منه هو أنّ المهندس لارتيج وصل في نهاية أيار وأيضاً أن العام كان ماطراً. الريف –أنا لا أقول إنّ الحقلَ كان منخفضاً في المنطقة، بل منبسطاً- كان هناك سدّ واحد يمتدُّ حتى الأفق، بحرٌ من الوحل، أو لكي نعبر عنه بدقّة أكبر، جزيرة من طين. كيف ستكون عزلتنا، حيث لا يصل ولا حتى مسافرو التجارة.
كنّا نستطيع أن نطوف، لكن لا أن نعمل (إلا في الحظيرة)؛ بحيث كانت تفيض عنّا الساعات للتفكير في الشتاء الطويل الذي ينتظرنا. بمنظوراتك السيّئة، كان تفكير كل واحد منّا حزيناً وكنّا في جهد قطعه نذهب يومياً إلى المخزن، بالرغم من البرد والمطر. لا أدري لماذا كان اللقاء بأصدقاء أو معارف، يمرّون في الحالة ذاتها، يمنحنا دفئاً. أو ربّما كان الجِن هو الذي يمنحنا الدفءَ، كما كانت تصرّ النساء بدهاء. من الرابح من نشر أنواع  مفترية ومزاجية؟ حين كان يسقط أحد على جنبه، لم يكونوا يحمّلون الطينَ المسؤولية، بل الأقداح.
قد يُقال كان هذا البارحة، لكنّه مرّ عليه أكثر من عشرين عاماً وهو ما يبرهن على دقّة تأكيدٍ واحدٍ–أم تأكيدِ آخر؟- من تأكيدات المهندس لارتيج. المُهندِس، كما كنّا نُسميه من وراء ظهره، ظهرَ بيننا في تلك اللحظات التي لم يكن يظهر فيها أحد، إذا لم تُحْسَب طيورُ المستنقع. كان يأتي من بيونس أيرس حاملاً حقائب مليئةً بالكتب ونظرياتٍ نصفَمستوعبة، التي بعرضها في مخزن كونستانثيو - وهو عنبر من الصفيح ضائع في الحقل المفتوح، أمام حلقة من أبناء البلد المشغولين بالمطر، بحالة المزرعة والشتاء القادم، أو وسنين بالجِن - كانت تبدو غريبة بل وخارج المكان. في أحد تلك المساءات أكّد المُهندس:
- الزمن لا يدوم دائماً بالطريقة ذاتها؛ فليلة يمكن أن تكون أقصر أو أطول من أخرى لها ذات الساعات. من لا يُصدّقني فليسأل صيدلانياً كنيته كوريا، يعيش في روساريو. وهذا ليس كلّ شيء: فالحاضر يمكن أن ينصهر في الماضي عند أي غفلة، وربّما في المستقبل. قصص الرؤيويين الطيبين لا تسمح لي بالكذب.
إن تصريحات مثل هذه تُثير المحيطين به، الذين لا يعرفون لماذا يوردها ولا كيف يعتبرونها. شاهد قدير، العجوزُ بانيتزا، لا بدّ أنّه صاغ سرّاً الحكمَ الذي كان يعكس الشعور العام.
- صَلِفٌ الولدُ.
ومع ذلك اعترف عند منعطف الزمن، شخص آخر من الحاضرين في تلك الجلسة، وهو رجل محترم بجدارة، الآن يكادُ يكون عجوزاً، حين علّق عليها:
-   تُبرهن لي التجربة أنّني حين أحاولُ أن أتذكّر وجهَ لاورا، يبدو لي أحياناً ضبابياً وبعيداً، لكنّني في ليلة لا أتوقّعها يأتيني به الحلم صافياً، بل وواقعياً جدّاً، كما لو أنّني نظرتُ إليه قبل لحظة. أم أنّ هذا لا علاقة له بموضوعنا؟ ربّما لم أفهم ما قاله لارتيج. 
ما لا يُمكن نكرانه هو أنّ المهندس وصل إلى المنطقة متغيّر الخطوِ. في تلك المرّة الأولى التي التقينا فيها في مخزن كونستانثيو (أم في مخزن باسانو؟) راح يلقي خطاباً طويلاً عن النساء. في مُسامرتنا حول هذا الموضوع كان هناك نزوع نحو النبرة الاحتفالية، وكانت تتجلّى في حكايات هزلية أو في بعض المخارج أو الخواطر. ولذلك كلّه فإنّ محاضرة طويلة، بل والأسوأ من ذلك، جدّيّة، لا بدّ أن تُثير، أولاً تشويشاً، ثم انزعاجاً. أعتقد أنّني أُترجم حالةَ الأصدقاء الحاضرين في تلك المناسبة إذا ما قلتُ إنّهم كانوا ينتظرون، واثقين، كلمةً، إشارةً، تبعث على الضحك. لم يحدث.(...)
عن المؤلف:
وُلِد أدولفو بيوي كاسارِس في بيونس أيرس في الخامس عشر من أيلول 1914. كان نشره لـ اختراع مورِيل البدايةَ الحقيقيّة لمسيرة أدبية ستبلغ روعتها في القصّة والرواية. تبعتها بين أعمال أخرى خطّة الهروب (رواية، 1945)، حلم الأبطال (رواية، 1954) جانب الظلّ (قصص، 1962) المغامرة الأخرى (بحث، 1968) يوميات حرب الخنزير (رواية، 1969) نوم تحت الشمس (رواية، 1973)، مغامرة مصوّر في لا بلاتا (رواية، 1985) وكتب مع زوجته سيلبينا أوكامبو رواية الذين يُحبون، يكرهون (1946). كان صديقاً حميماً لخورخِي لويس بورخِيس، شكّل معه جمعية سوف تغيّر اتجاهَ الأدب في اللغة الإسبانية: معاً سيكتبان خلال أربعة عقود تقريباً، تحت الاسم المستعار المشترك ه. بوستوس دوِكْ وأدارا لصالح دار نشرِ إمِثِ مجموعةَ الرواياتِ البوليسية: الدائرة السابعة، بين أعمال مشتركة أخرى كثيرة. كُرِّم في عام 1999 بجائزة ثِرفانتِس للآداب. تُوفّي في بيونس أيرِس في الثامن من آذار 1999.