13/3/2018 08:34 AM

غادامير عن باول تسيلان: مَنْ أنا ومَنْ أنت

سارا بريس:

صدر حديثاً كتاب "من أنا ومن أنت/ تعليق حول باول تسيلان" لهانز جورج غادامير عن منشورات الجمل، بترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم، هنا مقدمة الترجمة العربية.
 إن الاعترافَ بعدمِ فهمِ عملِ تسيلان
هو، في أغلبِ الأحوالِ، فرضٌ من
فروضِ الأمانةِ العلميةِ. ولذلك، على
المرءِ ألاّ يخافَ من إمكانِ الفشلِ.
غادامير
يمكنُ أن نعدَّ هذا الكتابَ كتاباً في التأويلية التطبيقية. ومن المعروف أن التطبيق عنصرٌ من عناصر التأويلية بحسب غادامير، ولكن يجبُ الإشارةُ إلى أن التطبيقَ هنا ليس لحظةً لاحقةً للتأويلية النظرية، بمعنى أن غادامير لم يضع أولاً أسسَ التأويل النظريّ، ثمّ تجرّد بعد ذلك لتطبيقِهِ، إنما يجب القولُ إن التطبيقَ جزءٌ من النظرِ نفسِهِ. وهذا ما يتلاءمُ في الوقتِ نفسِهِ، أو ما يمكنُ أن نعُدَّه كذلك، مع موقف غادامير من العلوم الطبيعية والفلسفات التي تُعلي من شأنِ هذه العلومِ وحدها، التي يبرزُ فيها على نحوٍ واضح تعاقبُ طرفيْ ثنائية النظرية والتطبيق، وهو أمرٌ كان قد جرّد غادامير كتاباتِهِ لنقده. وعليه، فإن التطبيق، حسب غادامير، هو والنظرُ شيءٌ واحد.
في هذا الكتاب ـالذي عدَّه هيدغر أعلى منزلةً حتى من كتابِ الحقيقة والمنهج*ـيجري تطبيقُ التأويلية، أو ممارسة الفعلِ التأويليّ، على الشعر. والشعر الذي يسلّط غادامير عليه رؤيتَهُ التأويلية هنا هو شعر پاول تسيلان في واحدٍ من أهمّ كتبِهِ الشعرية، وأشدّها غموضاً واستعصاء، وهو كتابُه الشعريّ تحوّل النَّفَسAtemwende. وتحوّل النَّفَس هو اللحظة التي يتحوّل فيها التنفّس من الشهيق إلى الزفير. إنها لحظةُ توقّفٍ، لحظةُ شعرٍ. إنه تعبيرٌ ورد للمرة الأولى على لسان تسيلان في خطابه المعروف ميريديان في العام 1960، بمناسبة تسلّمِهِ جائزة جورج بوشنر. بيد أن تسيلان أراد من هذا العنوان، أيضاً، أن يشيرَ إلى تحوّل النَّفَسِ الشعريّ، أي شعرية جديدة للشعر، وأن يتحدّى بالشعر عبارة أدورنو المعروفة بأن كتابة الشعرِ بعد أوشفتز فعلٌ بربريّ. فمهما يكن ما حدث في الحقبة النازية بين عاميْ 1933-1945، يبقى الشعرُ بالنسبة إليه يمثّل ’مواجهةً‘ وتواصلاً، إنه ’مصافحةٌ‘ كما قال مرةً، أو إنه ’رسالة في قنينة‘".**
تتّسعُ قائمةُ الفلاسفةِ الكبارِ الذين وجدوا في تسيلان ذخيرةً شعريةً وفكريةً: جاك دريدا، وموريس بلانشو، وفيليپ لاكو لابارت، وأوتو پوغلر، وبيتر زوندي. وغادامير يدنو من شعرِ تسيلان دُنُوّاً تأويلياً خاصّاً، إنه دُنُوٌّ من قصائدَ بعينها خاطبتْه يوماً ما وعاد إليها بفعلِ الإثارةِ ليخاطبَنا نحن القراء عبرها. وفي ورقته لمؤتمر هايدلبيرغ عن تسيلان في العام 1991، وعنوانُها "مقتربٌ ظاهراتيٌّ دلاليٌّ إلى شعر تسيلان" (وهي موجودة في هذا الكتاب)، وصف نفسَه قائلاً: "مرة تلو الأخرى، يتملّكُني توقٌ إلى إعادة بناء نصوص القصائد التي تثيرُني وتتكلّم لي". لكن العملَ على تأويلِ قصائد تسيلان ليس أمراً هيّناً، وغادامير نفسُهُ يُقرّ بالصعوبة البالغة لأشعار تسيلان عموماً، وقصائدِ عملِهِ تحوّل النَّفَس في هذا الكتابِ على وجه الخصوص. وتشهدُ القبسةُ في أعلاه بأن غادامير يقدّم اعترافاً بعدم فهمِ عمل تسيلان ويقيمه فرضاً من فروض الأمانة العلمية، ويوصي بأن نتقبّل فشلنا في فهمه بلا خوف. وما كان ذلك الموقف إلا لأن غادامير نفسَهُ جرّب الشططَ والخطأ في تأويل تسيلان، وجرى تنبيهُهُ على ذلك، وتراجع عن تأويله الخاطئ.ذلك أن تسيلان ’يهندسُ‘ كلماته في بناءٍ ملغزٍ، ويضع أحياناً مفاتيحَ يصعب الحصول عليها. ومفاتيحُ عمل تسيلان لا تتعلق بغموض استعاراته، إنما في غرابة موضوعاته الشعرية، وأبنيته اللغوية، وحتى الأخطاء الطباعية التي تحدثُ سَهْواً، وهذه الأخيرة تثير تحدّياً في إمكانِ فهمِ الشعرِ وحدودِهِ، إذ يمكن أن يذهب الفهمُ بالقارئ بعيداً بحيث تلوحُ له معانٍ لم تكنْ لتخطرَ على البالِ لولا هذه الأخطاء. وفي هذا الكتابِ أمثلةٌ شيّقةٌ من هذه الأخطاءِ التي وقعَ بها غادامير وقادتْه إلى تأويلٍ خاطئ، وهي أمثلةٌ تسلّطُ الضوءَ على الكيفياتِ التي يمكنُ أن يتحصّلَ بها فهمُ النصوصِ.
وبناءً على صعوبةِ شعرِ تسيلان، لابدّ من الإشارةِ إلى مسألةٍ أساسيةٍ في ترجمةِقصائدِ هذا الكتابِ وهي أن تأويلاتِ غادامير لهذه القصائد هي التي وجّهتْ طبيعةَ الترجمةِ وطبيعةِ الفهمِ لدى المترجميْن. فقد بُنيتْ ترجمةُ قصائد تسيلان أساساً على الفهم الذي كوّنه غادامير لها في تحليلاته.ويعتقد المترجمان ألاّ إمكان لترجمة تسيلان من دون التوفّر على تأويلية ترافق عملية الترجمة. وهذه التأويلية قد لا تكون مقتضاة في أنماط أخرى من الشعر. ومع ذلك، فإن ترجمةَ أشعارِ تسيلان تخاطرُ بتغريبِ أشعارِهِ المغرَّبةِ أصلاً.
فهمُ قصائد تسيلان وتأويلُها تمثّلُ رحلةً في فكِّ رموزٍ عصيّة. ويأملُ المترجمان من قارئِ هذا الكتابِ أن يقرأه بأناةٍ شديدة، تضاهي أناةَ ترجمتِه. إذ حملقَ المترجمان في كلّ سطرٍ حملقةً طويلة أرسلا عبرها شعاعاً حارّاً لتطويعِ الكتابةِ الصعبةِ في هذا الكتاب، كتابةُ الشاعرِ پاول تسيلان وكتابةُ الفيلسوف هانز جورج غادامير. ولا يأخذنّ القارئَ الفزعُ، لمواجهتِهِ ما يبدو مغاليقَ، لأن فهمَ هذا الكتابِ، والمتعةَ المجتناةَ منه، تقومُ في الأصلِ على فكِّ المغاليق. فلقد أحكمَ تسيلان بوعيٍ شعريٍّ فريدٍ ألفَ رتاجٍ ورتاجٍ على دلالاتِ ما يكتبُ ومعانيه، فعليك أيها القارئُ أن تكونَ صبوراً وعارفاً ولمّاحاً. إذن، لا يُقرَاُ هذا الكتابُ مرةً واحدةً، ذلك أمرٌ لا مفرَّ منه. وهو لم يُترجَمْ مرةً واحدةً، فمراجعتُه كلمةً كلمةً وجملةً جملةً كانتْ ترجمةً ثانيةً.
وُلد پاول تسيلان في بوكوڤينا سنة 1920 وماتَ منتحراً في باريس سنة 1970. راحَ أبواه ضحيةً للنازيةِ في العام 1941، فزمانُه ضحيةٌ، أما مكانُ ولادتِهِ فيصفُه هو نفسُه بأنه "ضحيّةُ اللاتاريخ"، فقد وُلد في بوكوڤينا المتحوّلة من الإمبراطوريةِ النمساويةِ الهنغاريةِ إلى رومانيا، ثمّ إلى الاتحاد السوفييتي، ثمّ أخيراً إلى أوكرانيا. اسمُ تسيلان نفسُهُ متحوّلٌ أيضاً: پاول آنتشيل، ثمّ پاول آنْسيل، ثمّ أخيراً پاول تسيلان.
نشأ تسيلان ابناً لعائلةٍ يهوديّةٍ تتكلّمُ اللغةَ الألمانيةَ في مدينة زيرنوڤتز، عاصمة بوكوڤينا. بعد إلحاق مدينته بالاتحاد السوفيتي، وبعد الاحتلال الألماني لها في العام 1940 والعام 1941، وبعد الحربِ ومعسكراتِ السُّخْرةِ، وبعد ترحيل أبويْه، وعودة الروس في العام 1944، غادر تسيلان إلى بوخارست ثمّ إلى فيينا. لكن استقرارَه النهائيّ كان في باريس في العام 1944، وفيها دَرَسَ ودَرَّسَ وترجم وتزوّج وظلّ يكتب بلغته الأمّ.
تمتدُّ حياةُ تسيلان الأدبيةُ من العام 1938 حتى العام 1970، وخلالها كتب 800 قصيدةً، وقد طُبعت أعمالُهُ وظهرت ثلاثةُ مجلداتٍ من أصلِ ثمانية هي كلّ أعمالِهِ في طبعةٍ تاريخيةٍ طال انتظارُها.
نُشرَ أولُ كتبِهِ الشعريةِ، المكتوبُ باللغةِ الألمانيةِ، في فيينا في العام 1947.*
حاز تسيلان جائزة بريمن في العام 1958 وجائزة جورج بوشنر في العام 1960. وأبرزُ أعمالِهِ الشعرية هي الأعمال الآتية: رمل أوعية الرماد 1948، الخشخاش والذاكرة 1952، من عتبة لأخرى 1955، قضبان اللغة 1959، وردة اللاأحد 1963، تحوّل النَّفَس 1967، شموس خيطية 1968، جبروت النور 1970، حصّة الثلج 1971، غربة الوقت 1976.
يضمُّ هذا الكتابُ العملَ الرئيسَ لهانز جورج غادامير عن پاول تسيلان. نشرَ غادامير كتابَ من أنا ومن أنت في العام 1973، وأعادتْ دارُ سوركامپ Suhrkamp نشرَهُ في العام 1986 رفقةَ مقدمةٍ جديدةٍ وملحقٍ. والترجمةُ الإنكليزيةُ لهذا الكتابِ تعتمدُ أساساً على نسخةِ العام 1986 والنسخةُ التي ظهرتْ في أعمالِ غادامير الكاملةِ، لأنَّ هذه النسخةَ اللاحقةَ احتوتْ على ملاحظاتٍ أضافها غادامير لاحقاً.
وَيَضُمُّ هذا الكتابُ مقاليْن آخريْن، وهما: "المعنى واختفاءُ المعنى في شعرِ پاول تسيلان"، التي نشرَها غادامير في العام 1975، وجُمعتْ في كتابٍ متألّفٍ من مقالاتٍ ظهرَ في العام 1977. والمقالةُ الثانيةُ في هذا الكتابِ وهي "مقتربٌ ظاهراتيٌّ ودلاليٌّ إلى شعرِ تسيلان" ظهرتْ أولَ الأمرِ في مجموعةِ مقالاتٍ نُشرتْ في العامِ 1991، ومنذ ذلك الحينِ جُمعتْ في المجلدِ التاسعِ من أعمالِهِ الكاملةِ. وزادت الترجمة الإنكليزية على الكتابِ مقدمة طويلة بعنوان "تذكُّر اللغة: مدخل إلى شِعريَّة غادامير"كتبها جيرالد ل. برونس.
أما الترجمةُ العربيةُ هذه، فقد رأتْ ضرورةَ ترجمةِ خطابِ تسيلان المعنون ميريديان وضمِّهِ إلى هذا الكتابِ. وخطابُ ميريديان هو الخطابُ الذي ألقاه بمناسبةِ تسلّمِهِ جائزةَ جورج بوشنر في العام 1960. فهذا الخطابُ المعروفُ يتضمّنُإشاراتٍ إلى مفهومِ تسيلان عن الشعرِ والشعريةِ، وسيكونُ أيضاً مناسَبَةً لتأويلاتِ غادامير.
يطمح المترجمان إلى أن تُناسبَ هذه الترجمةُ التحدّي الكبيرَ الذي يَضَعُهُأمامها عقلان كبيران: فلسفيٌّ مع غادامير وشعريٌّ مع تسيلان.
حسن ناظم (الكوفة)
علي حاكم (ذي قار)
شتاء 2017