6/12/2017 08:03 AM

أمومة

بروين حبيب

أبعد دور للأمومة في أدبنا العربي هو احتضان العائلة، وأحيانا إنجاب الأطفال وإطعامهم ورعايتهم إلى عمر معين، فالأدب انعكاس لواقع معاش، وفي العالم العربي يطير أطفالنا باكرا من أحضان أمهاتهم، إلى الأزقة والشوارع، حينها يصبح الخارج هو الحضن الأمومي الجديد، هو المدرسة، وهو الجامعة، وهو متاهة الأقدار بكل ما تحمله من أرقام خاسرة وأخرى رابحة.
صورة الأم في أدبنا العربي تأرجحت بين «أمينة» بكل ضعفها وعظمة صبرها في ثلاثية نجيب محفوظ، و«أم» محمد شكري في «الخبز الحافي» التي لا حول لها ولا قوة حتى لإبراز مشاعر الأمومة ومنحها لأطفالها، إلى «أم سعد» في أدب غسان كنفاني التي أفردت لها دراسات جامعية كثيرة، من بينها دراسة معمقة لأدهم الشرقاوي صدرت في كتاب.
كتب هؤلاء الرجال عن أمهاتهم بشكل ما، وأمهات عايشوهن في بيئاتهم المختلفة، وإن كان حضورهن ليس بحجم «أم» ماكسيم غوركي في سلم الأدب العالمي، إلاّ أن كل نتاج عربي له مكانته، وعلى سبيل المثال مكانة أم سعد لكنفاني تظل الأقوى بين «أمهات» أدبنا العربي، ليس انحيازا له، بل لأم سعد نفسها التي عاشت كل تلك الهزات العنيفة، التي عاشها شعب بأكمله، وناضلت بدون هوادة من أجل البقاء، وهي إن رأينا أو لم نر حقيقتها جيدا، فإن التقصير يظل منا ويحسب علينا إلى أبد الآبدين.
بكى الأدب العربي وجع الأمهات، وأبرز كل ما اجتهدن لإخفائه من عذاباتهن، وأخرج من تحت الأغطية السميكة، التي رماها المجتمع الذكوري فوق كواهلهن كل تضحياتهن العظيمة، ويبدو لي أننا لم نعرف أن نقرأ جيدا كل ذلك المنتوج الضخم عن الأمهات، حتى حين نردد مطلع قصيدة محمود درويش «أحن إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي،» فإننا نرددها من باب الحنين لأمهاتنا، ومن باب مشاعرنا الأنانية تجاه أمهاتنا، وما أخذناه منهن بدون كثير عطاء، لا أعتقد أن الأمر تجاوز هذه المعطيات الشخصية جدا، رغم أن نص درويش تحوّل إلى «تعويذة عالمية» يرددها المشتاقون والملتاعون.
الأم بحجم فلسطين في شعر درويش وأدب كنفاني، وبحجم فلسفة غاية في الضخامة، تناولت وضعا إنسانيا من منظور أيديولوجي سيكولوجي عميق في رواية غوركي الذي بات إلى يومنا هذا مرجعا مهما لسبر أغوار شخصية الأم، والتحولات الكبرى التي يمكن أن تحدثها حسب حجم وعيها في بناء علاقات معينة بين الرفاق، وتوجيه النضال العمالي السوسيولوجي نحو غايته.
لا مكانة للأم في الأدب بدون تأويلات أكبر منها، إنّها تصب دوما في إطار عميق الأبعاد، وهذا ليس هروبا من فتح باب أوجاعها الحقيقية، فقد أبدع محفوظ في ثلاثيته بتصوير الأغلبية الساحقة من أمهاتنا العربيات كما هن بدون مبالغة، إنهن مسحوقات من طرف أزواجهن إلى أن يكبر أولادهن الذكور، فيؤسسن لقاعدة مختلفة لحضورهن على خريطة المجتمع، حتى أن أغلب هذه الغالبية تتحول من الأم المسحوقة إلى الحماة السّاحقة، بدون مرور ثابت على وسطية معتدلة، وبدون مبررات مقنعة، لأن ما يحدث ردود فعل تحت ضغوط المجتمع الذي يدفع بتلك الأم الطيبة إلى الوقوع في أمراض ومتاعب نفسية تجعلها تعيش بقية حياتها خارج طبيعتها الفطرية التي استُغِلَّت طويلا ضدها.
أما عن هذه التغيرات من القطب إلى القطب، فهي وليدة فكر البلادة الذي نرفل فيه على مدى قرون، مستسلمين للسائد بدون التفات جاد لواقعنا، وواقع أوطاننا المرتبط حتما بوضع الأمهات خاصة والنساء بشكل عام. فكل أمٍّ نموذج لأمَّة، وكل أمة انعكاسٌ لأمهات أبنائها، غير بعيد أبدا عن المفهوم الذي وضعه شاعر العقل العراقي جميل صدقي الزهاوي في قوله:» ليس يرقى الأبناء في أمة، ما لم تكن قد ترقَّت الأمهات» ولا أدري هل ما نرى عليه أممنا يحتاج لشرح حتى نفهم هذا المعطى الفكري البسيط؟ أو هل يمكننا على الأقل أن نتوقف عند مقولة نجيب محفوظ نفسه: «في بداية أي علاقة تظهر المشاعر، وفي نهايتها تظهر الأخلاق» ونبحث عن معنى لها من صلب واقعنا التعيس، سواء بتفكيكها أو بإسقاطها على الواقع المعاش، حيث تنتهي أدوار الأمهات باكرا في حيوات أبنائها، مع أنها تبقى مستمرة في أعماقهم الدفينة بتفاوت، لكن الغالب في الأمر أن هذا الاستمرار لا يغير شيئا من النكران الجماعي المتفق عليه تجاه المرأة.
وصِفَ حضن الأم من طرف شعراء وكتاب كبار بلغة في قمة الرهافة، وغريب أن هذه النصوص لا تعمم على طلبة العلم من خلال برامجهم التعليمية اليوم، عكس ما كنا عليه في زمن مضى، حين كنا أطفالا ننشد يوميا قصائد على نسق رائعة سعيد عقل «أمي يا ملاكي» التي غنتها فيروز، أو «أحن إلى خبز أمي» التي غناها مارسيل خليفة. كل تلك المفردات البهية الشجية بقيت محفورة في ذواتنا، وهي التي شكّلت وعينا الأول تجاه أمهاتنا، وهي التي قادت مشاعرنا إلى العرفان الدائم بدورها، وهي التي نمّت فينا محبة القصة والشعر كونها أدوات تعبير عمّا يختلج في صدورنا، ومن هذا المنطلق العاطفي المرتبط ارتباطا وثيقا باللغة الإبداعية أٌنتِجَت النصوص المكافِئَة للأمهات، التي بشكل عفوي غرست فينا مبادئ احترام المرأة وبناء مجتمع طبيعي لا يدمر نفسه بنفسه بسحق قائمة من قائمتيه.
ولهذا السبب الإدراكي بالذات يمكن لقارئين تفصل بينهما قارات وفضاءات وثقافات أن يلتقيا ويتفقا تماما حدّ الذوبان عند قراءة وصف مبهر لمارسيل بروست ورد في روايته «البحث عن الزمن المفقود» حين قال: «في اللحظة التي كان يجب أن أنام فيها في غرفتي بغياب أمي وجدتي، ستصبح الغرفة النقطة الثابتة والمؤلمة لمخاوفي».
وسنفهم مسار حياة بروست مع والدته التي تعلق بها كثيرا، والتي كانت ملهمته لكتابة تلك الرائعة التي احتضنت إلى الأبد السارد مع والدته، وسنفهم أيضا مضاميننا الإنسانية المشتركة التي رغم معرفتنا البديهية لها إلاّ أننا نتوه عنها في دهاليز الأيديولوجيات المختلفة، ووحده الأدب يجعلها ذات محتوى قيمي مهم يناقض تماما أي صراع وارد بيننا كأفراد عاجزين عن التأقلم مع إنسانيتهم، وأكثر من ذلك فإن هذا النوع من الأدب «الأمومي» إن صحّ التعبير يتجاوز في لبِّه أي دواء سحري يمكننا أن نتعاطاه لنشفى من وحشيتنا المتفجرة بين الحين والآخر لأسباب طارئة.
لم أصادف «أمهات شريرات» في الأدب العربي، عكس أنواع من الأمهات البشعات، السيئات، والمضحكات والغائبات وغيرهن كما في الأدب الأجنبي، فغير وارد لدينا أن تكون الأم شريرة، لهذا أحببت دوما نصوصنا حول هذا الشأن، ولم أحب أبدا تلك التي تهزأ من شخصية الأم، أو تقدمها بصورة تنفر منها نفسي، وأعتقد أن السر في أمهاتنا حين يبقيننا أطفالا رغم مضي العمر بنا إلى ضفاف أخرى.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين – القدس العربي