في ذكرى رحيل عميد السياسة الكردية

شيرزاد شيخاني

حاله حال جميع الشعوب والأمم الرازحة تحت نير الأستعمار والإحتلال ، خاض الشعب الكردي نضالا عسيرا في سبيل الحرية والإستقلال رغم الصعاب والتضحيات التي قدمها على هذا الطريق والتي إمتدت لعشرات السنين من الكفاح الدؤوب والمتواصل .
وكان إنتزاع الحقوق القومية المشروعة بعد تنكر القوى الإستعمارية لها في المعاهدات الدولية التي وقعت في بدايات القرن الماضي بعد إنهيار الإمبراطورية العثمانية وتوزيع تركتها على الدول الناشئة في المنطقة حينذاك، هو الهاجس الأكبر لدى الشعب الكردي ، وخصوصا لدى النخبة المثقفة التي ظهر دورها المؤثر بعد تشكيل عدد من المنظمات الثقافية ، وقاد تلك النخبة عدد قليل من مثقفي الشعب الكردي وعلى رأسهم الراحل الكبير الأستاذ إبراهيم أحمد الذي كان أحد أهم الرموز السياسية التي تركت بصمتها على الأحداث منذ ثلاثينيات القرن الماضي الى حد السبعينيات والتي شهد  منتصفها إنهيار الثورة التحررية الكردية بعد توقيع معاهدة الجزائر المشؤومة .
فبعد قمع الثورة الكردية التي قادها الشيخ محمود الحفيد وإنهيار المملكة الكردية التي أسسها في السليمانية ، خلت الساحة السياسية من أية مقاومة شعبية لإحتلال كردستان ، وتزامن ذلك مع إشتداد قبضة النظام الملكي المتحالف مع الإحتلال الإنكليزي على السلطة ، وبضمنها مناطق كردستان التي ألحقت قسرا بالدولة الوليدة في العراق آنذاك . لكن الشبان الكرد الذين تهفو قلوبهم دائما نحو الإستقلال وإنتزاع حقوقهم القومية المشروعة سرعان ما نهضوا من جديد ليواصلوا نضالهم القومي ، وكان في مقدمة هؤلاء الشباب الأستاذ إبراهيم أحمد الذي بدأت المشاعر القومية تعتمل في قلبه منذ بواكير صباه بتشجيع من أحد أعمامه النجباء .
فقد ولد الراحل الكبير في مدينة السليمانية في 6 آذار من عام 1914 وتربى في حضن أسرة معروفة في السليمانية ، ومنذ بداية حياته زرع عمه الراحل رمزي فتاح ، وكان أحد الضباط الكرد القوميين في قلب هذا الطفل ، البذرة الأولى لروح المقاومة والشعور القومي . ولذلك شجعه للإنخراط المبكر بالدراسة في مدرسة السليمانية ليتسلح بالعلم والمعرفة اللتان ستساعدانه على فهم مشروعية حقوق شعبه القومية . وقد واصل هذا العم النجيب دوره في تأهيل الأستاذ وإعداده من أجل الإنخراط في العمل السياسي لاحقا .
وأنهى الإستاذ إبراهيم أحمد دراستة الإبتدائية والثانوية في السليمانية قبل أن يلتحق في عام 1937 بكلية الحقوق ببغداد ، والتي تخرج منها محاميا ، ومارس مهنة المحاماة الى جانب نشاطه الفكري والسياسي ، وعرف عنه أنه كان دائما نصيرا للفقراء والمناضلين السياسيين الذين يتعرضون الى الإعتقال والمحاكمة ، حيث كان يدافع عنهم دون مقابل .
والى جانب مهنته بالمحاماة ، بدأ الإستاذ بنشر نتاجاته الأدبية والفكرية منذ الثلاثينيات ، وحاول أن يمزج بين السياسة والأدب بإعتبارهما صنوان لايفترقان، لذلك عمل في الثلاثينيات على تأسيس أول مجموعة ثقافية في بغداد تضم الشباب الكرد وأصدر مجلة كردية باسم " ديارى لاوان " أي " هدية الشباب " .
لقد أدرك الراحل الكبير بأن الشباب هم طليعة المجتمع وأنهم النخبة القادرة على النضال من أجل الحقوق القومية ، لذلك ركز جهوده في تلك المرحلة على هذه الشريحة لكي يؤهل قيادات شبابية تأخذ على عاتقها مهمة قيادة مرحلة النضال الثوري والذي تحقق بعد فترة وجيزة بتأسيبس الحزب الديمقراطي وإعلان جمهورية مهاباد الكردية في كردستان إيران . ولكن قبل ذلك وإستكمالا للمهمة الكبيرة التي وضعها الأستاذ على عاتقه في إعداد جيل متسلح بالثقافة بادر الى جانب الأستاذين علاءالدين السجادي وشاكر فتاح الى إصدار مجلة " كلاويز " في عام 1939 ، والتي واظبت الصدور الى عام 1949 . وقد ضحى الإستاذ إبراهيم أحمد بوظيفته الحكومية من أجل التفرغ لهذه المهمة العظيمة والعسيرة بغية إعداد نخبة ثقافية تأخذ علىى عاتقها مهمة النهوض بالأدب والفن والثقافة الكردية، حيث عنت المجلة المذكورة بكل جوانب الأدب والفكر والثقافة والفن ،كما أشار الأستاذ الى ذلك في مقاله الإفتتاحي للمجلة بتوقيع " بلة " وهو الإسم المستعار للأستاذ إبراهيم أحمد. وساهم في هذه المجلة عدد كبير من الأدباء والمثقفين في ذلك الزمن ، حيث أتيحت الفرصة أمامهم لنشر نتاجاتهم الأدبية والثقافية في هذه المجلة والتي أصبحت علامة بارزة في تاريخ الأدب الكردي.
فالى جانب سعي المجلة لإحياء وتقويم اللغة الكردية، حاول القائمون عليها وضع أسس بناء أدب كردي حديث يحاكي تطورات العصر ، فعمدت الى نشر نتاجات الكتاب والأدباء الكرد الى جانب ترجمة العديد من نتاجات الأدب الغربي ،إضافة الى نشر البحوث والدراسات التاريخية والإجتماعية والثقافية، وإهتمت بشكل أكبر بفن القصة القصيرة وشجعته ،، مما أدى الى ظهور نخبة مهمة من كتاب القصة القصيرة ..
امتلك الراحل الكبير نواصي الفكر والثقافة فحلق في سماء الابداع بنتاجات رائعة استمدها من معاناة شعبه ، ولعل عناوين مؤلفاته تشي بالهم الثقيل الذي حمله الراحل الكبير على عاتقه ، فقد كتب ( مخاض الشعب ) و( البؤس ) و( القوس الأخير ) . هذا عن حياته الأدبية التي أثرت نتاجاته المكتبة الكردية.
 أما على صعيد الصحافة فقد كان الراحل أحد روادها الأوائل أيضا. فمجلة " كلاويز" كانت نجمة ساطعة في مجال الصحافة الكردية ، ولم يقف الأستاذ عند حد الإكتفاء بإصدار هذه المجلة المتميزة ، خصوصا بعد أن تم منع صدورها عام 1949 ، بل بادر بإصدار العديد من الصحف الكردية الأخرى ، منها مجلة " رزكارى " التي أصدرها بعد ثورة 14 تموز ، وكذلك جريدة " كوردستان" التي رأس تحريرها الزعيم الراحل مام جلال . الى جانب رئاسته لتحرير صحيفة " خبات " التي كانت لسان حال الحزب الديمقراطي الكردستاني والتي أجيزت بعد الثورة . هذا بالإضافة الى تأليفه لكتيب بعنوان " الأكراد والعرب " والتي كتبها عام 1937 يتحدث فيها عن العلاقة الكردية العربية .
أما من الناحية السياسية ، فقد دخل الأستاذ الى عالم السياسة منذ فترة شبابه ، فقد أسس في الأربعينيات منظمة " ز . ك " التي كانت بمثابة فرع لمنظمة إحياء كردستان التي تشكلت في كردستان أيران والتي كان لها دورا بارزا ومهما في التمهيد لتأسيس جمهورية مهاباد الكردية في إيران . وبعد سقوط هذه الجمهورية قرر الإستاذ ورفاقه الإنضمام الى الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد عام من تأسيسه في 1946. وأنتخب الاستاذ إبراهيم أحمد ليتولى مسؤولية قيادة فرع السليمانية للحزب .
لقد تعرض الراحل الكبير الى الكثير من المعاناة والمحن جراء نشاطه السياسي الفاعل على مستوى كردستان والعراق ، ولجأ في مراحل متعددة الى خوض النضال السري تحسبا من تعرضه للإعتقال ، ولكن ذلك لم يمنع السلطات الحاكمة في بغداد من أن يستهدفهوه نتيجة نشاطه السياسي ضد السلطة .  ففي أعقاب سقوط جمهورية مهاباد ، إٍتخذت السلطات الحاكمة في بغداد إجراءات تعسفية لملاحقة النشطاء السياسيين والشباب الكردي ، وكان الأستاذ أحد هؤلاء ، حيث ألقي القبض عليه عام 1948 وتم سجنة لسنة ونصف ، مما دفعه بعد الخروج من السجن الى مزاولة العمل السري الى حين إندلاع ثورة 14 تموز عام 1958 .
ونظرا لدوره السياسي الكبير وبإعتباره أحد أهم الرموز الثورية المعروفة في ذلك الوقت ومواجهته البطولية للسلطة الملكية الحاكمة، تم في المؤتمر الثاني للحزب الديمقراطي الكردستاني المنعقد في شباط عام 1951 ، إنتخابه بالإجماع سكرتيرا عاما للحزب . وبناءا على إقتراح منه تم تغيير إسم الحزب الى " الحزب الديمقراطي الكردستاني" بعد أن كان يسمى بالحزب الديمقراطي الكردي.
لم تتوقف السلطة الحاكمة عن ملاحقته والتضييق عليه ، فقد تم نقله في عام 1951 من السليمانية الى كركوك كإجراء تعسفي آخر للضغط عليه وتخفيف نشاطه السياسي بمدينته . وإستمر الحال الى حين إندلاع ثورة 14 تموز التي شهدت في بداياتها بعض الهدوء وظهرت بوادر الحياة الديمقراطية من خلال إجازة الأحزاب والصحف ، وهنا بادر الأستاذ للتقدم بطلب إجازة الحزب ، ثم أصدر صحيفة الحزب " خبات " التي رأس تحريرها، ولكن إثر نشره لمقال إنتقادي ضد الحكومة القائمة آنذاك عام 1961 ، تم إغلاق صحيفتي " خبات " و" كردستان" التي كان صاحب إمتيازها ، وصدر أمر القبض عليه من قبل السلطة، مما اضطره الى مغادرة بغداد والإختفاء لفترة الى حين إندلاع ثورة أيلول التحررية في صيف عام 1961 ، حيث إلتحق الإستاذ بالثورة وقاد الجناح السياسي للثورة .
ونتيجة لاخطاء سياسية وحزبية إقترفتها قيادة الحزب ، أضطر في عام 1964 الى الإنشقاق عن الحزب ومعه الزعيم الراحل مام جلال وأسسا معا جناح المكتب السياسي للحزب ، ثم إنضم الاثنان مجددا الى الحزب بعد صدور بيان 11 آذار عام 1970 ومارسا دورهما السياسي ضمن الحزب الى حين إنهيار الثورة عام 1975 جراء توقيع معاهدة الجزائر بين نظام البعث وشاه إيران ، وإعتزل الأستاذ الحياة السياسية وغادر العراق الى بريطانيا ليمضي بقية حياته في العاصمة لندن .
ورغم إبتعاده عن السياسة والحياة الحزبية بعد أن قدم خدمة كبيرة للثورة الكردية من أجل التحرر ، لكن ظل الأستاذ  مرجعا وناصحا للقيادات السياسية الكردية التي قادت الثورة التحررية الجديدة بقيادة الإتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل الكبير مام جلال ، فقد كان قريبا من الأحداث التي رافقت الثورة ، الى جانب نشاطه الدائب لشرح عدالة القضية الكردية في الأوساط الأوروبية والعالمية .
لقد رحل هذا الرجل العظيم الذي يعتبر عميد السياسة الكردية وأحد أهم الرموز القيادية للثورة التحررية الكردية عن عالمنا في 8 نيسان من عام 2000 ، وبذلك غاب هذا النجم اللامع عن سماء كردستان بعد أن أسس جيلا من الثوريين والقياديين الذين واصلوا مسيرته النضالية وفي مقدمتهم الزعيم الخالد مام جلال ، وكذلك أبناء وأحفاد الراحل الكبير الأستاذ إبراهيم أحمد الذين ساروا على نهجه في خدمة القضية الكردية .