سوريا والاكراد بعد معركة الباغوز

فريد أسسرد

بعد الانتصار الحاسم الذي حققه الاكراد في معركة الباغوز والسيطرة على اخر معقل لداعش في سوريا، فقدت داعش الارض الوحيدة التي بقيت تحت سيطرتها وتحولت الى مجموعة مبعثرة مطاردة وبات مصيرها يطرح نفسه بالفعل. يتفق هذا مع الرؤية التي تعتقد ان الاكراد قد نقلوا سوريا الى مرحلة ما بعد داعش وما تبقى للاسد من مهام هو ان ينقل سوريا الى مرحلة ما بعد ادلب. واذا لم تعترض عملية تطهير ادلب اية عثرات، فأن قوات الاسد قادرة، بالاستناد على الدعم الذي تتلقاه من روسيا، على تنفيذ المهمة في وقت قياسي. ثم يبدأ بعد ذلك العمل على تأسيس سوريا جديدة لانه لم يعد ممكنا العودة الى سوريا ما قبل 2011 ويستدعي الظرف عملية سياسية لتعزيز السلام الاجتماعي والسير بالبلاد نحو انفتاح ديمقراطي، كما يستدعي الظرف كذلك حملة عالمية لاعادة اعمار سوريا المدمرة، الخارجة لتوها من جحيم الحرب. لقد ثبت بالتجربة ان السلام في المنطقة يبدأ من سوريا وانه ما ان يشوب الاضطراب سوريا حتى ينتقل الى المنطقة برمتها. يدل ذلك على الاهمية القصوى للموقع الجغرافي لسوريا ومركزها الجيو سياسي الحساس. وهذا ما يحث على النظر الى الموضوع من زاوية ان مصلحة المنطقة والعالم تكمن في ضمان الاستقرار في سوريا حتى يكون بمقدورها الاسهام في دعم الامن الاقليمي.
تقترب الحرب السورية من نهايتها ويفترض انه يجب الاستعداد لسوريا ما بعد الحرب. قطعا لم يكن ممكنا القضاء على داعش بدون بسالة الجيش السوري وشجاعة الاكراد. وفي الوقت نفسه لم يكن ممكنا تحقيق تلك النتيجة بدون دعم خارجي.
وقد لعب التدخل الفعال من جانب ايران وحزب الله اللبناني واطراف شيعية عراقية في بداية الحرب دورا كبيرا في حماية سوريا. وابتداء من عام 2015 لعب التدخل الروسي دورا مهما في حماية النظام و الحفاظ على وحدة الاراضي السورية. ففي العام الرابع للحرب، كانت التكهنات بامكانية بقاء النظام السوري ضعيفة للغاية. لم يكن قد بقي في حوزة الاسد من الارض سوى نسبة 25% تبدأ من دمشق وتسير بمحاذاة الحدود الدولية اللبنانية وتنتهي شمالا في اللاذقية. في المناطق الاخرى سيطر المتشددون على نسبة 40% من الارض وقوى المعارضة على 20% والاكراد على 15%. ومع استمرار الحرب، طرأت تغيرات على الخريطة السياسية، فتواصل انتزاع الارض من داعش ولم تعد خطط المتشددين قابلة للدوام.
تحتاج سوريا الجديدة الى دستور جديد يتم فيه الاعتراف بالتعددية الاجتماعية وبحقوق الاكراد. لقد حمى الاكراد سوريا على امتداد الثمان سنوات الماضية واسهموا بشكل فعال في الحرب ضد الارهاب. وعلى ايديهم وبدعم من التحالف الدولي تحررت الرقة وهي عاصمة الدولة الاسلامية، وقد تمكنوا من تطهير الباغوز من داعش في اخر معاقله بدون دعم من اية قوة خارجية. يستحق الاكراد السوريون مكافأة على بسالتهم وقد ان الاوان لايجاد حل ديمقراطي لقضيتهم.
في بداية الازمة السورية كان الاكراد حلفاء موضوعيين للنظام السوري وقد وعوا خطورة الموقف بشكل افضل بكثير من الاطراف الاخرى. حتى عندما تحالفوا مع الولايات المتحدة الامريكية، فأن تحالفهم ظل موجها ضد داعش والتشدد الاصولي. وقد اثبتت التجربة ان ذلك التحالف لم يضر سوريا ولولاه ما كان بالامكان تطهير مساحات شاسعة من الارهاب. ان الاسباب التي دفعت الاكراد الى التحالف مع الولايات المتحدة الامريكية، هي الاسباب نفسها التي دفعت الاسد الى التحالف مع روسيا. عمليا، فأن كل الاطراف مهما بلغت حدة الخلافات بينها، هي في المحصلة النهائية تتشارك في النصر وفي هزيمة داعش. ولكل واحدة منها دور في تحقيق النصر وليس في مقدور احد الاطراف الادعاء بأنه حقق ذلك النصر لوحده.
ان اي بلد يمر بتجربة الحرب والفوضى، يدرك معنى الاستقرار بشكل اعمق من الاخرين. ان الاستقرار هو اكثر ما تحتاجه سوريا ما بعد الحرب. وبناءً على هذا الاستقرار، تنطلق عملية اعادة البناء الصعبة والمضنية. ان كل الذين تشاركوا في الحاق الهزيمة بالارهاب، كانوا حلفاء موضوعيين بعضهم لبعض. ولا يفترض ان تكون هناك عوائق تعرقل تواصلهم واستمرارهم في التحالف من اجل اعادة البناء واعادة السلام والطمأنينة للوطن ومواجهة تحديات مرحلة ما بعد الحرب معا.