العلمانية أو داعش الجديدة

رياض درار

داعش تأخذ أشكالا أدناها داعش سوداء تندحر، وأخرى بيضاء تتجدد لتخلق لونا داعشيا آخر، أحمر أو أخضر، أقربه تصريح نقلته وكالة “فارس” الإيرانية عن اللواء محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني، يقول: أنه “تم تشكيل قوات شعبية في سوريا تضم نحو ١٠٠ ألف مقاتل”.. والأهم من هذا ماقام به “برينتون تارانت” في “كريست شرش” في نيوزيلاندا، المدينة الهادئة؛ مدينة الجنائن؛ لكنها تحمل من اسمها ” كريست شرش” الكثير المعبر. وفي تذكر سريع يمر أمام ناظري اسم هذه المدينة التي جرت فيها العملية الارهابية يوم الجمعة السوداء، فقد ورد في “الجفر العلوي” صفحة 471 أن المهدي ” سيركب الهواء لا بسحر ولابفتنة عين، بل بعلم يعرفه من سبقوه، فيقل منه أمثال الجبال تسبح في بحر السماء، فيرقى في أسباب السموات والأرضين.. ولاتمر أيام حتى يقطع كل الأرض.. وتؤمن بالله ورسوله أمم أراض واسعة هاجرت إليها خلائق كثيرة، في بلد “كنيسة المسيحيين” ليس بعيدا عن بلد مجمع البحرين المحيطة بالأرض ( ويشرح الشيخ الغزي ناقل الخبر أن مجمع البحرين هي استراليا وأن بلد كنيسة المسيحيين هي في نيوزيلاندا ” كريست شيرش”). أليس شيئا عجيبا أن تكون هذه المدينة النائية مذكورة في تلك الأسفار الأسطورية، وهي محط أنظار العالم اليوم، في عمل ارهابي يستهدف المسلمين، وهل وصل إلى “برينتون تارانت” هذا الخبر الاسطورة ليقوم بفعلته. مثله مثل العمل الارهابي الذي استهدف المسيحيين في برجي نيويورك، وقام على تفسيرات لآيات قرآنية، وسبب حربا دينية نعاني الأمرين منها. فهنا قاعدة بن لادن وهناك قاعدة برينتون تارانت، وهنا تطور المشروع الارهابي إلى داعش السوداء، ليقابله هناك داعش البيضاء، وهنا فعل ارهابي ينسب نفسه للاسلام، وهناك فعل ينسب نفسه للمسيحيين، ويضع لمشروعه مانيفستو من بضع وسبعين صفحة تذكرنا بالمانيفستو الشيوعي الذي يعلن بدء مرحلة جديدة لمواجهة العالم، وبمعالم في الطريق لسيد قطب، الذي يقود للارهاب ويكتب نظريته. وحين تظهر نيوداعش أيا كانت بعد هذه الارهاصات، فهي تحيي موات القديم من داعش. وهذه العملية التي استهدفت مسلمين في “كريست شرش” بمثابة قبلة الحياة لداعش التي تموت في الباغوز.
إذن هل أفلح المهدي منذ العام 1979 وهو يمتد في الأرض وقبل أن يستقر في الحشد الشعبي، ثم وهو يصرح عن تحضير 100 ألف في سوريا، ولمن هذا التحضير ؟ وما غايته؟ إلا تأجيج مزيد من الحروب بعد القضاء الأول على مشروع داعش السنة.
منذ العام 1979 بدأ الاسلام فوبيا، ومنذ العام 1979 بدأ التغني بصراع الحضارات، ولكنه قبل ذلك كان صراع الحضارة الواحدة على أرضية الدين الواحد. وإذا كان بن لادن بداية تطرف وارهاب اسلامي، فإن برينتون تارانت قد يكون بداية تطرف مسيحي، سيقسم أوربا العلمانية ويهدد التعددية والديمقراطية، ويسعى إلى خلافة باسم المسيح، فهو لم ينس التاريخ وهو يذكرنا بسرديته التحريضية بأوربان الثاني، والحملات الصليبية، وكل المعارك التاريخية بين المسلمين والمسيحيين. مايدفع للقول إن برينتون ليس شخصا بل هو مشروع. مشروع تجب مواجهته قبل أن يستفحل. أوربا تستنكر والعالم المسيحي ينكر، ولكن كرة الثلج يمكن أن تصبح جبل جليد. وإذا كنا قد توصلنا في الشرق الأوسط أن الحل العلماني هو خلاصنا فإن أوربا عليها أن تنتفض وتعيد للعلمانية حيويتها، وأن تواجه داعش البيضاء قبل أن يمتد تأثيرها، ولديها مايشجعها في اليمين المتطرف الذي سيقود إلى صدام مسيحي مسيحي، قبل أن يقود إلى صدام الحضارات. مايعني أن هتلر جديد أو موسوليني وحتى ستالين يمكن أن يظهر يدعو لخلافة مسيجية ويخوض حروبه باسم الله.. وبعدها لاحول ولا قوة إلا بالله.
العالم يغلي والمصالح تشجع الارهاب، والارهاب قد يجدد الحروب الدينية المدمرة التي أمل الناس بخلاصها بعد “اتفاق وستفاليا” وبعد التنوير، والعلمنة، والتعددية، والديمقراطية، هبة الله الجديدة لأهل الأرض لإنقاذهم من دنس الاستبداد والتسلط وجشع رجال الدين والمال والسلطة.
لاحل لدينا إلا بالعلمانية، والخوف من العلمانية هوخوف من التعددية وخوف من الحرية وهو دعوة للتدين الكاذب، هدفه في كل الأديان إرهاب يفرخ إرهابا.