أنا كما أنا

جمانة حداد

من أطرف ما حدث معي هذا الأسبوع، زيارة من صديق من أيام الجامعة لم أره منذ سنوات، تحوّلت الى جلسة وعظ ونصح بغية إعادتي، على قوله، "الى الصراط المستقيم، لأني أحرّض النساء على التمرّد وأتسبب في خراب البيوت".
أما الطرافة في الخبر فليست هنا، رغم ردّ فعلي الساخر جداً كما يمكن أن تتخيّلوا. في الليلة نفسها، إذ كنت في أحد المطاعم الهادئة مع إحدى الصديقات، رأيت الأخ العزيز عينه في إحدى الزوايا المظلمة، في جلسة رومنطيقية يتخللها غمزٌ ولمز وقبلٌ مع سيدة ليست زوجته، التي حفظنا وجهها لأنه يفلقنا بصورها على صفحة الفايسبوك الخاصة به، وبتعبيراته عن حبّه المجنون لها.
طبعاً، توجّهت نحوهما وحيّيته بحرارة، وطبعاً استمتعتُ باحمرار وجهه وارتجافة يديه، وطبعاً لم أنس أن أطلب منه أن يسلّم لي على الصراط المستقيم.
"نموذج" الصديق الذي أخبرتكم عنه اليوم منتشر ومزدهر ورائج، وبازدياد، في مجتمعاتنا وثقافاتنا العربية: وأعني به ذلك الانسان المصاب بفصام فتّاك: ينهي عن المنكر المزعوم بيد، ويمارس نقيض ما يعظ به باليد الثانية. يهجس بالجنس، لكنه يخطب في العفّة والقيم. يدعو إلى الصلاة والتكفير، ثم يروح ينفّس عن مكبوتاته وعقده حيث لا تراه عين ولا تسمعه أذن. في اختصار: جبال من الانكار، والمعايير المزدوجة، والخبث، والكذب، والجهل، والخوف وهلّم.
قولوا معي: ليس أحلى من وقاحة الصراط غير المستقيم. ليس أجمل من فجاجته وصفاقته وانحلاله.
قولوا معي: أنا كما أنا، أقف على رأس السطح، لا أختبىء في الزوايا المظلمة.