'الكتاب الأخضر'.. الأوسكار يواجه العنصرية

كوليت بهنا

هل توقع السيد باراك حسين أوباما أن يصير في العام 2009 رئيسا للولايات المتحدة الأميركية ويقف أمامه رجل أبيض يلقنه القسم الدستوري ويتلعثم، لأنه، لم يتقبل ـ باللاوعي ـ أن يكون رئيسه من البشرة السمراء كما فُسِّر تلعثمه نفسيا آنذاك؟ وهل حلمت "أوبرا وينفري" الفتاة الصغيرة التي تخدم في بيوت الأثرياء البيض أن تصير أهم وأغنى وأجمل سيدة سمراء في أميركا تقدم أشهر البرامج التي ينتظرها الأميركيون والعالم بأسره؟
شخصيات مؤثرة تقفز إلى شريط الذاكرة كوميض سريع مع غيرها من الشخصيات ونجوم الفن والرياضة والسياسة من أصحاب البشرة السمراء المتحدرين من أصول أفريقية، وأنت تتابع فيلم "الكتاب الأخضر"، تحفة هوليوود الجديدة والبديعة، الحائز قبل أيام على عدد من جوائز الأوسكار، وأرفعها جائزة أفضل فيلم في حفل الأوسكار الواحد والتسعين لهذا العام. شخصيات أهم ما جمع بينها، ليس البشرة السمراء وتحدرها من أصول أفريقية فقط، بل تلك التفاصيل المثيرة الكامنة في ذواكرها الجماعية والتي شكلت سيرها الذاتية ورافقت رحلاتها الشاقة في تحدي لون البشرة ومواجهة كل أشكال العنصرية للوصول إلى المجد.

"الكتاب الأخضر"، فيلم "أخّاذ" اقتبس عن قصة لشخصيات حقيقية عاشت في ستينيات القرن الماضي، يحاكي العنصرية والبحث عن الهوية برؤية إبداعية جديدة ومؤثرة، رؤية يمكن أن توصف أيضا بالخلاقة، وقادرة أن تضحك المشاهد ببراعة لروح الدعابة الفطنة التي حيكت من خيوطها، وتبكيه ببراعة مماثلة لهول القسوة الكامنة في النفس البشرية، قسوة غير غريبة أو مستغربة في طبيعتها ومداها في الحياة. يلتقط الفيلم أبسط مفرداتها ويوظفها بأسلوبيته الخاصة كأداة سينمائية حادة كالسكين، تجرح مشاهدها عن قصد، لعله كلما تلمس أثرها في ذاكرته، تألم وجرب أن يساهم من موقعه بالتخفيف ولو قليلا من هذه القسوة.
"الكتاب الأخضر" للمخرج "بيتر فاريلي" من إنتاج 2018، وكتب له السيناريو "نيك فاليلونغا" و"بريان هايز كوري" و"بيتر فاريلي، من بطولة "فيغو مورتينسن" و"ماهر شالا علي" الحائز للمرة الثانية على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساند بعد فيلم "مون لايت" 2017، فيلم مخادع ببساطته وبراءته الظاهرتين؛ وفي حقيقته، هو فيلم شديد التعقيد والتشابك ويحتاج كل مشهد فيه إلى تحليل فني نقدي ونفسي مطول.
يحكي بقصته الموجزة عن سائق "توني فاليلونغا الملقب توني ليب" الذي يرافق "الدكتور دون شيرلي" وهو طبيب نفسي وأحد أشهر وأهم عازفي البيانو عام 1962 والمعروف كنابغة موسيقية على مستوى عصره وبين كبار الساسة الأميركيين في حينه، في رحلة إلى عدد من ولايات الجنوب الأميركي لإحياء حفلات موسيقية خاصة لمتذوقي الفن من الأثرياء البيض، يرافقهما كتيّب أخضر يحمله السائق إلزاميا، اعتبر في حينه بمثابة دليل إرشادي للأنظمة والقوانين الخاصة بالأماكن التي يسمح "للسود" في التحرك أو الاقامة فيها.
رحلة طويلة ومتشعبة، ستتضمن رحلات عدة في عمقها ومعانيها، تستعرض مشهديا في طرقاتها المتشعبة جمال الأرض الأميركية وطبيعتها الجنوبية الساحرة، وفي الوقت ذاته تستعرض عوالم القبح النفسي والظلم والقهر لساكني هذه الأرض من العرقين. سعى السيناريو المحكم للقصة أن يورط المشاهد ويستفزه بتفاصيلها، ليقود مشاعره تدريجيا إلى عمق الهدف الذي يبتغي إيصاله كرسالة سامية للفيلم، وهو محطات الرحلة الشاقة في سبر الذات الإنسانية، والتي ستسفر لاحقا عن ولادة صداقة حقيقية بين السائق الأبيض ورب عمله "الأسود"، في تبادل متقن للأدوار النمطية، وفي زمن تجلت فيه ممارسات نظام الفصل العنصري في أبشع صورها، حيث سيصفق الجمهور الأبيض بحرارة شديدة لنجم الحفلات الساطع حين يعتلي المنصة، لكن ما إن ينتهي من عزفه ويصحو من نشوة مجده، يعاد تحجيمه "كزنجي أسود"، يمنع مرة من قضاء حاجته في الأماكن المخصصة للأثرياء البيض ويطلب منه التوجه لقضاء هذه الحاجة تحت شجرة في الغابة، أو يطلب منه مرة أخرى تناول العشاء في غرفة مزرية خصصت له بعيدا عن فخامة المطعم الذي تأكل فيه النخبة البيضاء والتي ستحضر حفله بعد قليل.

في مواجهة هذه المواقف المهينة للكرامة والذات البشرية وغيرها من المواقف المذِلّة الكثيرة التي يحفل فيها الفيلم، تتجلى شهامة السائق وحارسه الشخصي الأبيض توني، ذي الشخصية الطيبة والصادقة والمراوغة كما يعرف عن نفسه كـ "قبضاي" وابن شارع محنّك يعرف من أين تؤكل الكتف لكنه لا يؤذي، وتتجلى بدورها شخصية الموسيقي دون شيرلي بتعقيداتها وتيهها عن ذاتها الحقيقية بين الانتماء للمجتمع الأبيض أو مجتمع قومه "الأسود" والضياع بينهما، لتتصارع الشخصيتان، بما تحمله كل منهما من إرث عاطفي وثقافي واجتماعي، فيبدو الأمر تارة صراع بين النخبة المثقفة وبين عامة الشعب، وتارة بين عرقين مختلفي اللون، وفي مرات عديدة هي صراع بين الحياة البسيطة والمعقدة، بين المال والفقر، وغيرها من التناقضات التي تحملها المشاهد المفعمة بالحيوية دون ملل.
"الكتاب الأخضر" فيلم جميل وجديد يستحق الأوسكار بجدارة يضاف إلى قائمة الأفلام التي تتحدث عن العنصرية البغيضة، هذه العنصرية التي ما زالت كامنة في نفوس البشرية بشكل أو بآخر، بعضهم يدرك وجودها ويتفاخر، وبعضهم تترجم في سلوكياتهم عفويا وعن دون قصد، وتحتاج إلى الكثير من التمرين التربوي والثقافة والتسامح وأفلام السينما وكافة الفنون للمساعدة في التخلص من آثارها المتجذرة حتى اليوم.
حين تولى باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة، كانت تعليقات عديدة مؤذية تسمع هنا وهناك وتحيل كل تحركاته وقراراته إلى عرقه "الأسود" كوشم دائم ملتصق به رغم مجده، وحين يتم امتداح "أوبرا وينفري" توصف السيدة بأنها مدهشة وناجحة رغم أنها "سوداء".
ألم نقل إن العنصرية ما زالت متجذرة؟