السياسة والهيغليون الجدد

علي حسن الفواز

من الصعب فهم تعقيدات السياسة من دون التعرّف على المرجعيات المؤسسية للفعل السياسي، ولأثره في صياغة المواقف والافكار، والعلاقات التي يمكن أنْ تخضع لها الاشكال المؤطرة لذلك الفعل السياسي، وأحسب جيدا أن السياسات الغرب اميركية ليست بعيدة عن تلك التعقيدات، ولا عن النوايا التي يًصاغ عبرها المشروع السياسي، في سياقه(الاستعماري) القديم، أو في سياق ادائه العسكري والاقتصادي الثقافي العولمي المعاصر.
المستوى الثقافي لفعل الهيمنة السياسية والعسكرية الغرب اميركية هو المجال الذي تنتعش فيه أفكار السيطرة، والعزل والقوة، وحيث ترتبط تلك الهيمنة بمؤسسات واسعة التأثير الرقابة والضغط، على مستوى المنظومة المخابراتية، أو على مستوى مراكز البحوث العلمية والستراتيجية والشركات العابرة للقارات.
المستوى الثاني هو ما يهمنا بشكل عميق، ليس لأنّه ظلّ بعيدا عن اغلب المقاربات السياسية، وعن نظريات القوة المهيمنة، بل لأنّه يمثل أفقا مستقبليا لعولمة فعل تلك القوة وادلجتها، ولتكريس سيطرتها الستراتيجية،والتي لايمكن عزلها عن فرضية نشر الثقافة الاورو- اميركية، أو اعادة انتاج الاستعمار بوجوه وهيمنات جديدة، لكنها أكثر تعبيرا في خطابات الاغتراب والعنف الثقافي والهوياتي.
(المحافظون الجدد) في ادبيات السياسة الاميركية هي الجماعة القائدة للسيطرة، ولتدويل اسطورة القوة، وللتبشير بفرضية الهيمنة والعسكرة والرسملة الغرب اوروبية، وهذه الجماعة ترتبط من جهة أخرى بمراكز صنع القرار السياسي والامني والعسكري، مثلما ترتبط بمراكز بحوث ستراتيجية في الاكاديميات الكبرى، وفي الشركات والبنوك والمؤسسات المخابراتية  الكبرى ايضا.

المحافظون والانسان الأخير
أطروحات(فوكوياما) حول فلسفة الانسان الاخير ونهاية التاريخ ليست أطروحات فلسفية عائمة، بل هي جوهر ما يفكر به محافظو السياسة الجدد، والذين هم في الجوهر (الهيغليون الجدد) اصحاب التوجهات المركزية والمتعالية، حيث استلهموا فكرة هيغل وفلسفته عن(الانسان الاخير) في القرن التاسع عشر، بوصفه الأنموذج الفائق والمتعالي، والذي وجد فيه فوكوياما شفرته الفلسفية للتعبير عن استيهامات العقل الاميركي، وعن محنة الصراع مع أدلجة (المعسكر الاشتراكي) والتبشير بنهايته، من خلال الانتصار الايديولوجي، والتسويقي، وعبر تفكيك منظومة الافكار/ الادلجات، ومنظومة السياسة/ المؤسسة السوفيتية الكبرى، فضلا عن تفكيك الأطر الايديولوجية والسياسية لدول المعسكر الشيوعي السابق.
وهو ما أسبغ عليه في مرحلة لاحقة صوموئيل هنتغتون، عبر الاعلان عن طبيعة الصراع، ومستوياته، والتي انطلقت من(وهم) استواء  أنموذج الرأسمالي الليبرالي، والذي بات التبشير بثقافته وافكاره وحضارته نوعا من التصريح بهوية تلك الثقافة والحضارة المتفوقة، وتجويز وظيفتها الصيانية في الصراع مع الثقافات والحضارات الأخرى، رغم أنّ هذه الحضارة لاتعدو سوى وجهٍ آخر من وجوه الاستبداد الاقتصادي والسياسي، عبر صناعتها الأنموذج الاميركي، والأنموذج الأوروبي، واللذين تجوهرا حول ماسمّاه الفيلسوف هابرماس بـ(أنموذج العقل الاداتي) العقل الرافض للحوار والتواصل مع الآخرين، أو القبول بهم، بوصفه عقلا هيغلياً راكزا حول ثنائية(السيد والعبد) أو(التابع والمتبوع) كما في أدبيات مابعد الكولنيالية.

الحوار مع المختلف
السياسة فن الحوار، أو تمكين الافكار من أنْ تُعبّر عن نفسها، وهذا ما نفتقده اليوم في السياسة الدولية، حيث تتجوهر تلك السياسة على جملة من المفاهيم ذات المرجعيات الفلسفية الهيغلية في تفوقها وتعاليها وفي نظرتها للآخر بوصفه عبدا أو تابعا، وليس شريكا في المصير أو في الانسانية كما يقول الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
إنّ غياب الحوار مع المختلف السياسي والايديولوجي والديني والقومي والطائفي بات من أكثر القضايا تعقيدا، في ترهين السياسات الدولية والاقليمية الى صراعات معقدة، والى مشكلات قد تنذر بحدوثِ حروبٍ وكوارث وحصارات، كما حصل في العراق وسوريا وليبيا واليمن، وما يحدث اليوم في فنزويلا أو في ايران، وهي معطيات تجعل من الاختلاف عقدة من الصعب القبول بها، أو النظر اليها من زاوية نظر حقوقية أو اخلاقية أو حتى سياسية، فالمختلف في هذا السياق هو العدو، وهو المارق والخائن، ويجب فرض العقوبات عليه، أو الحصارات مقابل تخليه عن خصوصيته، وعن هويته.
ما تعيشه منطقتنا العربية يعكس خطورة محنة  العقل السياسي، وطبيعة مايعيشه من رهابات ومن تحديات، لاسيما في التعاطي مع الخصوصيات الوطنية، ومع العولمة الاميركية، أو الفرضيات الانتهازية للعقل الأوروبي، فالكل يجد في الخيارات الاميركية احراجا له، لكنه يسعى الى عدم تجاوز ماتفرضه من تصورات، أو عقوبات، ويرهن ذلك الى التمترس في خنادق وتحالفات، في سياق ما يُسمى بـ(المجتمع الدولي) وهي عبارة فضفاضة، ليست سياسية بالمعنى الاستعمالي، لكنها الاقرب الى التعبير الايديولوجي الذي يحمل معها المرجعيات الهووية للمركزية الاوروبية التي ترك فلسفتها هيغل كنوع من الجحيم الذي يواجه الشعوب الباحثة عن وجودها، وعن حريتها.