بين الديمقراطية والحنين إلى السلطة

شاهوز حسن

أعادت الأحداث السريعة والمتتابعة؛ الحديث عن مفاهيم الديمقراطية والحرية وشكل الحكم في سوريا؛ فما أن استفاقت الشعوب والمكونات السورية وبدأت تطالب بوضع أمر سياستها وقيادتها في يدها من خلال إدارات ذاتية ديمقراطية؛ بدأ البعض يهاجم ذلك ويعتبر الأمر مخالفاً لصميم الوطنية وسيراً في ركاب الغرب الذي يسعى إلى تقسيم المنطقة بحسب قناعاتهم؛ فهل الديمقراطية فعلاً تقليداً غربياً؟ وهل الحكم أو الحاكم المتسلط النموذج المناسب للحل؟
بكل أسف استطاعت الدول القومية أن تُورث فن التزييف لكثير من الحقائق والمفاهيم مستغلة الجهل والتخلف الذي خلفته سياساتها لتقف مفهوم الديمقراطية أمام عوائق كثيرة في ظل غياب الفكر والنخب الحقيقية واضمحلال الأبعاد الوطنية في الفكر النخبوي في المنطقة بفضل ثقافة شراء الأقلام والتحكم في وسائل الإعلام ومصادر المعرفة وحنين البعض إلى السلطة.
وبالتالي تقف مفهوم الديمقراطية أمام نُخَبٍ لديها خلل في قِيَمها وثقافِتها وأخلاقِها وهي في مُجمَلِها ارتضتْ أن تعمل في مهنة الارتزاق بلباس الوطنية.
فالديمقراطية كما هي معروفة قيام مجموعات بإدارة نفسها بنفسها والحقيقة أن الديمقراطية مفهوم واسع يمتد اجتماعياً من الحرية الشخصية في المعتقد والأفكار والممارسة إلى أبسط الممارسات الشخصية، بينما سياسياً لها معنى واحد وهو المشاركة والتداول السلمي للسلطة وفق عَقدٍ اجتماعي يحفظ حق الحاكم والمحكوم، ويفتح الباب لتنافسٍ حُرٍّ شريفٍ بين جميع مكونات المجتمع من غير تمييز ولا إقصاء.
بهذا الصدد يقول أرسطو: السلطة تنبع من الجماعة وليس من شخص الحاكم، وأنّ خير الحكومات هي الحكومة التي يسود فيها القانون؛ بينما أندرياس غروس المعروف بحنكته الكبيرة في مجال الديمقراطية يضيف ينبغي ألّا يخشى الساسة تقاسم السلطة مع الشعب، فلا توجد هناك أية قضية مهمة يصعب على المواطنين فهمها؛ بإمكان كل شخص أن يتعلم، والتعلم المجتمعي هو أحد النواتج الثانوية الأساسية للديمقراطية المباشرة.
أما السلطة فهي تعني التمكن والاستئثار بالقوة والقدرة على التوجيه والإجبار نحو اتجاه معين من السلوك الاجتماعي فالسلطة هي ثمرة القوة والقدرة على الإجبار لهدف توجيه سلوك الآخر، وتدل السلطة أيضاً على ظاهرة الأمر والخنوع ومن جانبهم أشار العديد من الفلاسفة على وجود ميل فطري لدى العديد من أفراد المجتمع نحو الخضوع لقوة منظمة.
خلاصة القول: إن السلطات وبحكم طبيعتها تسعى جاهدة إلى تحجيم كل أشكال الديمقراطية في الوقت الذي تحاول القوى الديمقراطية إلى توسيع حدود الديمقراطية باستمرار.
لذلك؛ ففي سوريا فأن إنقاذ الديمقراطية المجتمعية غير ممكن إلا بتطوير الإدارات الذاتية كأقرب نموذج إلى الحل الصحيح لإنهاء الأزمات، ومن هنا، فالوظيفة التي تقع على عاتق المجتمع السوري بمكوناته المختلفة هي إنشاء قوى العصرانية الديمقراطية وبناء ذاتها ضمن جميع الحقول الاجتماعية دون الانصهار في بوتقة الدولة ودون التحول إلى امتداد مدني لها.