في المنطقة الآمنة واتفاق أضنة

خورشيد دلي

لا يوجد مفهوم محدّد أو واضح لمسألة إقامة المناطق الآمنة، لا في القانون الدولي، ولا في القرارات الدولية. وخلال العقود الماضية، شهدنا نماذج لإقامة مثل هذه المناطق في العراق عقب حرب عاصفة الصحراء عام 1991، والبوسنة والهرسك عام 1993، ومن ثم في سريلانكا ورواندا وغيرها، وقد أطلقت أسماء عديدة على هذه التجارب، منها المنطقة الآمنة، المنطقة العازلة، منطقة حظر جوي، الممرّات الإنسانية، والملاذات الآمنة... وغيرها من الأسماء، وقد أطلقت جميعها بحجة حماية المدنيين في المناطق التي تشهد حروبا وصراعات ونزاعات. وفي أثناء الأزمة السورية، سارعت تركيا إلى طلب إقامة منطقة آمنة، بحجة حماية النازحين من الحرب والدمار، حيث طالب وزير خارجيتها السابق، أحمد داود أوغلو، في أكثر من محفل دولي بهذا المطلب. واقترح الرئيس رجب طيب أردوغان على الأمم المتحدة عام 2017 مناقشة إقامة منطقة آمنة في شمال سورية، إلا أن هذا المطلب المتكرّر من أنقرة قوبل بالرفض أو التجاهل، إلى أن طرح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هذه الفكرة في تغريدةٍ له، لنشهد من بعد ذلك جدلا واسعا بشأن هذه المنطقة، ومن يديرها؟ وضد من ستكون؟ ومن يمولها؟ وهل سيكون هناك حظر جوي فوقها؟ وغيرها من أسئلةٍ كثيرةٍ لا تجد إجابةً شافيةً عنها.
في المواقف والجدل بشأن دعوة ترامب، رحّبت تركيا بالدعوة، لكن هذا الترحيب كان مشروطا، بأن تتولى هي الإشراف والسيطرة، تاركةً قضية التمويل والجهات المشاركة إلى المفاوضات والجهود الجارية بهذا الخصوص، فيما ذهب رئيس الحركة القومية المتطرّف، دولت باهجلي، إلى أن تكون السيطرة الكاملة على المنطقة الآمنة المقترحة تركية، وإلا فإن المشروع مخطط أميركي لرسم خريطةٍ لمنطقة حكم ذاتي للكرد في سورية، وهذا يشكل تهديدا تاريخيا لتركيا، حسب تأكيده.
في الجانب المقابل، رحبت الإدارة الذاتية الكردية بالدعوة إلى إقامة منطقةٍ آمنة، مشترطة ألا تكون تحت سيطرة تركيا، مهدّدة، في الوقت نفسه، بأنها ستواجه هذه الدعوة إذا كانت تحت سيطرة تركيا، بوصف ذلك احتلالا للمناطق الواقعة تحت سيطرتها. ثم تدريجيا تغيرت لهجة هذه الإدارة لجهة الترحيب، شرط أن تكون بإدارة دوليةٍ، وبضمانات مشاركة القوى المحلية في إدراتها. في المقابل، اتسم موقف النظام السوري بالرفض المطلق لإقامة منطقةٍ آمنة، ملوّحا بالمواجهة. أما موسكو، وإنْ لم تعلن بوضوح رفضها الدعوة، إلا أنها أكدت أن الطريقة الوحيدة لحل الأمور هو نشر الجيش السوري في هذه المناطق. وأبقت واشنطن موقفها يكتنفه الغموض بشأن الأسئلة المطروحة عن طبيعة المنطقة الآمنة. ولعل الغموض الأميركي هذا صعد الجدل في الجانبين الكردي والتركي، ففي وقتٍ رأت أوساطٌ كردية أن إقامة منطقة آمنة ليس سوى خطوة جديدة من خطوات تخلّي ترامب عن الكرد، بعد قرار سحب قواته، وأن الخطوة صفقة أميركية – تركية جديدة على حسابهم، ترى أوساط تركية أن إقامة هذه المنطقة تشكل خطرا مصيريا على تركيا، مستشهدين بما جرى لكردستان العراق، وكيف تحوّلت المنطقة الآمنة هناك إلى إقليمٍ يشبة دولةً مستقلة، وإن واشنطن تريد تكرار هذا السنياريو في شمال شرق سورية، في إطار مخططها لإقامة دولةٍ كرديةٍ مستقلةٍ في المنطقة.
في الواقع، الجدل الجاري بشأن إقامة المنطقة الآمنة قد يجعل منها مجرد دعوةٍ لا أكثر، خصوصا في ظل طريقة طرح الدعوة من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والمواقف المتباعدة بين الأطراف المعنية بالأزمة السورية، ولعل دعوة أردوغان إلى العودة إلى اتفاق أضنة زاد الأمر غموضا وتعقيدا، إذ لا يلغي طرح هذا الاتفاق مجدّدا، من حيث الإمكانية التقنية، إقامة المنطقة الآمنة فحسب، بل يعيد الكرد وتركيا معا إلى النظام.