تحليل أولي لمواجهة قرار الانسحاب الأمريكي

رياض درار

الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات له تأثير على معركة النفوذ في الشرق الأوسط، فقوات التحالف تخسر أمام حلف الشرق. ولكن؛ تحدياً حقيقياً للتوازنات يبرز أمام هذا الحلف الثلاثي “روسيا وتركيا وطهران”؛ ما سيجعل تحرك هذه الدول مرهوناً بتنفيذ القرار الأمريكي لتحديد ملامح المنطقة. لا يستطيع الأمريكي نفض يده من الأزمة السورية حتى لو خرج من الأرض السورية. لذلك؛ ظهرت صورته في العراق تعبيراً عن هذا الحضور، عدا التصريحات التي تؤكد أن يده ستبقى تطال الأرض السورية في كل حين، كما يفتح باباً لإعادة توزيع القوة لمصلحة تركيا لتجد هامشاً للمناورة يمكن أن يُغيّر شكل التنسيق مع موسكو وطهران وهذا ما تسعى له أمريكا، وتعرفه تركيا وتعمل على الابتزاز من خلاله.
يمكن اعتبار القرار بدعوة الجيش السوري إلى منبج محاولة لاستيعاب المخاطر والتهديدات، وهو يأتي لصالح الدولة السورية وروسيا التي تشجع الطرف التركي على استمرار الضغط حتى التسليم الكامل لشروط النظام. وتركيا حين تستجيب تعمل على تعويم النظام ثانية مقابل صفقة تجريها مع روسيا، كما حصل في جرابلس والباب مقابل حلب، وعفرين مقابل الغوطة، وهذه من أخطاء الحسابات الأمريكية في قرارها بالانسحاب. إذ؛ أن ذلك لا يخدم جهودها لتغيير النظام ولا لتغيير سياساته، فهو يستمر في إعلان انتصاره والسعي لعودته كما كان أو أسوأ.
إن فكرة تسليم منبج لسلطة الدولة وتحميل الجيش السوري مسؤولياته للحفاظ على السيادة، يمكن أن تفتح الباب أمام إمكانية لفتح أفق جديد لمسار الأحداث ترسم صيغة سياسية قادرة على تجاوز الأزمة وتطويقها داخلياً بدل الارتهان للتدخلات الخارجية، وتشكل واقعاً جديداً لبدء الحل السياسي بعيداً عن تجاذبات الدول، من التفاوض في جنيف إلى الخلافات حول اللجنة الدستورية، والخروج من إشكالياتها المزمنة. لكن؛ يبدو أن قدرة النظام على المبادرة مرهونة بارتباطاته بالدول الداعمة، بروسيا وإيران اللتين تنتظران نتيجة القرار الأمريكي بالانسحاب، فروسيا لا تثق بالنوايا الأمريكية وتنتظر تنفيذ القرار الذي يمنحها مع إيران ونظام الأسد نصراً سهلاً. وهو نصر ستستفيد منه داعش وتركيا أيضاً. داعش التي تأمل بالعودة؛ نتيجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ووجود خلايا نائمة تمارس أعمال الاغتيال والتخريب، وتتواصل مع كل الأطراف لتقديم خدماتها بعد أن غيّرت ملامحها ولهجتها. وتركيا التي تسعى للقضاء على عدو ديمقراطي يؤرقها وجوده واستمراره خشية انتقال عدواه إلى أرضها. لذلك؛ تستعدي عليه عفاريت الأرض وترعى بسببه التنظيمات الإرهابية المتطرفة لحملها على المواجهة معه، وتروّج الأكاذيب التي ترددها مرتزقتها ليلاً نهاراً، كان على الأمريكي عدم تقرير الانسحاب حتى تتم مشاركة مجلس سوريا الديمقراطية في العملية السياسية والمساعدة للدخول ضمن الوفود المشاركة في هذه العملية. لكن؛ الرغبة لم تكن موجودة ولا الإصرار وهو مرهون برضا الطرف التركي. لذلك؛ كانت المماطلة رغم القدرة، وظهرت النتيجة بقول فج وصارخ بالميل إلى تركيا من الرئيس ترامب “لقد سلمتك سوريا” كلام بعيد عن السياسة وموقف بعيد عن المسؤولية بما يحمله من غدر وخديعة.
إذا كنا نستذكر هذه الأحوال فلكي نبحث في حلول وسيناريوهات لتجاوز الأزمة وأولها الانفتاح على الحوار مع الجميع والسعي لبناء علاقات جيدة عبر التفاوض وعبر السياسة لضبط إيقاع السلام والتمكين من الحل السياسي وحقن الدماء، مع الاستعداد لمواجهة أي اعتداء والرد عليه بما يناسب في الوقت المناسب.
علينا باستمرار الانفتاح على القوى السياسية السورية غير المتورطة بالدماء أو التي تحمل أجندات غير وطنية، وأن نستمر في الحوار السوري ـ السوري ودعم عملية سياسية في داخل سوريا لرسم آفاق التحول السياسي ووضع أطره وتحمل مسؤولياته، والدفع لقبول مرحلة من التعايش بين المناطق على أرضية مشروع لا مركزي تكاملي يقوم على الدفع لعجلة الاقتصاد، ويُمكّن من إعادة الإعمار بشكل جزئي، وعودة اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم.