المرأة الحرة في مواجهة سلب الإرادة

آلدار خليل

بالرغم من أن المرأة تمثل الجزء الأهم في المجتمع وكونها الأساس إلا إنها لم تحصل بعد على حريتها الحقيقية التي تضاهي دورها الهام والريادي في المجتمع، لقد حولّتها الرأسمالية بحداثتها المستهدفة لهويتها ووجودها إلى أداة وسلعة وباتت مقصداً للتجارة؛ ما يُعيد إلى الأذهان بأن التطورات الشكلية التي يتم الحديث عنها في كل مناسبة أمام حقوق المرأة تظهر بأنها باطلة كون هناك دائماً ما يظهر للحفاظ على ما ورد من إجحاف بحق المرأة منذ قرون، فالإجراءات والعمليات المذكورة دامت بوجود سياسات الهيمنة من قِبل الرأسمالية ومن يترجم رؤيتها وإن كان الظهور يدّعي إنه حضاري ومتطور في بعض المواقع.
لا شكّ بأن جوهر الثورة الديمقراطية وإجراءات البحث عن تحقيق حرية المجتمع والعدالة فيه والتوجه الذي لازمه شعبنا طيلة عقود مضت ركّزت بكل ما تملك من قوة ولا تزال على ضرورة تحقيق حرية المرأة؛ كون المرأة بحالتها المقيدة وما يتم فرضه من ممارسات لا تتناسب مع حجم الدعوة من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكن الحديث عن أي مجتمع حُر، عادل، ديمقراطي مع وجود ما يعتّم دور المرأة وحجم الدور الكبير لها في عملية البناء والتنظيم؛ بمعنى لا يمكن أن يكون هناك أي مجتمع حُر دون وجود المرأة الحُرة. لكن؛ من هي المرأة الحُرة؟!
حرية المرأة تكمن في بناء دورها واستعادة كل ما تم حياكته ضدها من ممارسات التشويه والإنكار، الحرية الحقيقة تكمن في الاستقلالية بمعنى أن تتخذ المرأة ما تراه لنفسها بأنه الضروري والهام لكي تبقى وتحافظ على هويتها ووجودها بشكل قوي وليس الحرية في أن تكون المرأة مقلدة ومتقمصة للأدوار التي تم خداع المجتمعات بها على إنها حضارة وتقدم، وفي الوقت ذاته يتم سلب دور المرأة ووجودها تحت تلك التصنيفات، الفرق بين ما يسعى إليه شعبنا وبين كل النظريات التي تتحدث عن المرأة هو أن شعبنا في نضاله يسعى أن يُعيد للمرأة دورها وتأثيرها لا أن يتبع إجراءات مرسومة تجعلها سلعة ومادة لا أكثر.
تناول الديمقراطية بأبعاد كثيرة ومن ثم القيام بأمور متناقضة تحت المصطلح المذكور لا يفيد بالوصول أو تحقيق الديمقراطية الحقيقية التي يتم البحث عنها، الذهنية الذكورية وقوانينها المفروضة على المجتمعات جعلتها تتبنى طقوس وعادات تطورت في بعض الأماكن إلى أن تحولت المرأة بفعل ذلك الى عنصر غريب في حال لم تواكب ذلك مع العلم إنه في المواكبة تتجرد المرأة عن حقيقتها وبذلك تضيع وهذا جزء كبير من المخططات التي تم التطرق إليها.
في إسقاط واقعي على حال مجتمعنا اليوم تم التركيز على جوانب من دافع التأثر وترك ما هو هام والمؤدي لتحقيق حرية المرأة عامل سلبي ومعيق لمسيرتها نحو الحرية؛ بمعنى في الواقع الذي تعيشه المرأة وحينما يكون ذلك الواقع مليء بحالات العزل والتعامل على أساس الحاجة والنظر إلى المرأة على إنها ذات وظيفة محددة ومختصرة في البيت والإنجاب؛ فإننا نحتاج لأن نبحث عن سبل التحرر وليس التشابه أو تقليد أحد في الجوانب التي هم يسمونها على إنها تطور؛ فالتشخيص هنا هو المهم وليس التقليد.
في حادثة مضت تناول البعض ما تم إطلاقه من نقد على الأسلوب أو الأداء الذي روجّه البعض على إنه جهد في إنقاذ المرأة، حيث ربط البعض الأمور بزوايا واختلافات لا تنم عن المعالجة وإنما عن الضعف الحقيقي لفهم واقعنا الموجود، حينما نفهم الواقع علينا أن نبدع في معالجة المشكلات لا أن نستورد حلول أو تجارب ونظهرها من خلال أدائنا على إننا نُعالج العوائق؛ في الواقع الذي تكون الهوية فيه مستهدفة الأزياء على سبيل المثال ليست طريقاً للمقاومة وبخاصة حينما يتم الخلط فيه بين التراث والهوية ـ المستهدفين ـ وبين مواكبة التطور المصنوع لأجل غايات شتّى، المثال ذاته بالنسبة للدفاع عن المرأة بتبني نظريات تسويقية للجمال؛ كيف يمكن الحديث عن الجمال وهناك من يفرض التشويه؟!.
في كل المواقع والأماكن تبقى الشريحة المثقفة، الواعية، المتطلعة نحو تطوير مجتمعاتها محط احترام وتقدير؛ كون الشريحة المذكورة الأكثر قدرة على تشخيص حاجة ونواقص المجتمع. لذا؛ حينما يكون هناك فارق وهامش بين الشريحة المثقفة أو لنقل البعض منهم وبين المجتمع؛ فإن التشخيص حينها يكون سلبياً كون الابتعاد عن الواقع يزيد احتمالات التأثر لا التأثير. نحن نؤمن بأن المرأة يجب أن تكون حرة ومن حقها أن تكون كما تشاء. ولكن؛ بالمشيئة التي لا تصبح فيها سلعة أو متاعاً لكل من يُريد استيراد تجارب التجارة بالمرأة في مجتمعنا، لماذا لا يسمي أحد تحرير آلاف النساء من بطش داعش بأنه خطوة لإحقاق حقوق المرأة، لا بل الدفاع حتى الموت عنها؟! أليس التحرير آنذاك والآن هو بحد ذاته إنقاذ لجمال المرأة لتبقى؟ لماذا لم يرَ أحد آلاف النساء المكتظة بالمنازل وخلف الجدران بأنه إهانة؟ اليوم على عكس ذلك وبضعف العدد المذكور هناك منهنَّ من تدافع، تعمل، تدير، تؤسس وتعلم الأجيال. لذا؛ وبكل بساطة الفرق بين أن تكون المرأة سلعة وأن تكون حُرة مسافة كبيرة يفهمها من يفهم مجتمعه ويتجاهلها من لم يفهم حقيقة مجتمعه بعد، الدفاع عن المرأة يكون بإيجاد دورها في مجتمعها وليس في عرضها على إنها مادة للعرض لتصبح بدون هوية أو حتى بهوية مزيفة .