ضوء على التقارير الدولية حول اقليم كردستان

فريد اسسرد

عند متابعة نشاطات منظمات دولية مرموقة مثل منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس وتش، نلاحظ انه تصدر عنها منذ سنوات تقارير سلبية عن وضع حقوق الانسان في اقليم كردستان، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالتعامل مع المسيحيين. لا ريب ان هذا التقارير تؤثر بشكل سلبـي على سمعة الاكراد واقليم كردستان وتشوه الصورة النمطية الشائعة عن الاكراد باعتبارهم ذاقوا مرارة الاضطهاد وانهم متعطشون للحرية، في حين ان مضامين تلك التقارير تعطي للعالم انطباعا مغايرا عن الاكراد.
ان المنظمات التي تتحدث اليوم بشكل سلبـي عن وضع حقوق المسيحيين في اقليم كردستان هي نفسها التي دافعت عن الاكراد في السنوات الماضية و عرّفت العالم بآلامهم وعذاباتهم، عامدة التنبيه الى خطورة الاستمرار في حرمانهم من حقوقهم.
هذه المنظمات لا تملك اية مصلحة في الكذب ولا تتضمن تقاريرها اي افتئات على العدالة وهي بشكل عام خالية من التجنـي. وهو ما يحث العالم على احترام مضامين ما يرد في تقاريرها وتصديقه. وليس ثمة اي شك في ان القضية الكردية ذاتها مدينة لهذه المنظمات التي قالت ما يجب ان يقال عندما كان الاكراد يواجهون حرب الابادة ويمطرون بوابل من الاسلحة الكيمياوية في كردستان. تلك التقارير هي التي سلطت الضوء على معاناة الاكراد واثبتت بالوثائق ان هناك ابادة واجراءات قمعية تستحق الشجب والادانة وان هناك شعب مهدد بالدمار.
ليس لهذه المنظمات اية اجندات سياسية وكل ما تبغيه هو الضغط على الحكومات التي تنتهك حقوق الانسان حتى تتخذ اجراءات من شأنها تحسين وضع حقوق الانسان وضمان الحقوق المدنية لمواطنيها.
ان اغلب تقارير هذه المنظمات تسلط الضوء على ما تسميه "انتهاكات" ضد المسيحيين، خاصة في اربيل و دهوك و سهل نينوى. وبسبب تزايد صدور تقارير سلبية بهذا الشأن، اضطرت حكومة الاقليم الى تشكيل مؤسسة بأسم اللجنة العليا للمتابعة والرد على التقارير الدولية برئاسة السيد ديندار زيباري. مهمة هذه اللجنة هي رفض مضمون التقارير الدولية والرد عليها. ومن الجلي ان تشكيل لجنة عليا تختص بالرد على تلك التقارير انما هو دليل واضح على حجم التقارير السلبية التي يستوجب الرد عليها، كما ان ذلك هو في حد ذاته دليل على وجود انتهاكات.
في اخر تصاريحه لشبكة "روداو" الاعلامية رد زيباري على مضامين كل تلك التقارير لكنه، دون ان يعي، اثبت صحة الانتقادات الواردة فيها. فقد اقر ان حكومة الاقليم قد استولت بالفعل على اراض مملوكة للمسيحيين القاطنين في بلدة عنكاوة في اربيل وانها بنت مطار اربيل الدولي على تلك الاراضي وانها لم تقدم حتى الان تعويضات لاصحاب الارض. وفي الوقت الذي يصف فيه التصريح مضمون التقارير بانها "غير واقعية"، فأنه يقر انه من مجموع 223 فرد يمتلك حق المطالبة بتعويضات مادية، حصل 40 فرد بالفعل على تعويضات. ويعني هذا الرقم ان 18% فقط ممن يحق لهم الحصول على تعويضات، قد حصلوا على حقوقهم، اما الباقون، وهم الاكثرية، فانهم لم يحصلوا على اي شيء.
وكانت لجنة الافتاء في اقليم كردستان قد اصدرت في حينه فتوى تحرم الاستيلاء بالقوة على اراضي المسيحيين. وينظر الى هذه الفتوى باعتبارها تجسد موقفا نبيلا يرمي الى تعزيز روح التآخي والتوافق بين المسلمين والمسيحيين. لا ريب ان صدور تلك الفتوى من مراجع دينية مرموقة يعكس الواقع على الارض. ولا يتطلب الامر اية فطنة لادراك ان صدور الفتوى دليل حي على وجود استيلاء على اراضي المسيحيين.
تشير التقارير الدولية الى ان المسيحيين المعنيين قد لجأوا الى المحاكم وتقدموا بدعاوى. وتقول لجنة المتابعة والرد على التقارير الدولية ان المسيحيين المتضررين قد تقدموا بشكاوى للمحاكم، لكنها تحاول التقليل من حجم المشكلة وتزعم ان عدد الشكاوى "ضئيل جدا" وهي تخرج حكومة الاقليم من الموضوع وترى ان الشكاوى "عالقة" في المحاكم و ان "حكومة الاقليم غير قادرة على فعل اي شيء لأن السلطة القضائية سلطة مستقلة". ولا يعطي الرد اي توضيح حول سبب عدم البت في الشكاوى في المحاكم وتركها "عالقة" لمدة قد تصل الى عشر سنوات.
في ردها على التقارير الدولية، اطلقت اللجنة العنان لنفسها للتحدث عن وجود 127 كنيسة و 37 مزار ديني في اقليم كردستان. وبالتأكيد فأن هذا لا يغير شيئا من الموضوع. فوجود كنائس ليس دليلا على انه لا وجود لاستيلاء على اراضي المسيحيين. وتلجأ اللجنة الى حجة اخرى، فتقول ان حكومة الاقليم قد اعترفت بعيد المسيحيين وجعلته عطلة رسمية. وهذا قطعا صحيح. ان حكومة الاقليم، وفي هذه النقطة بالذات، يمكن عدها حكومة متسامحة وكلنا نفخر بهذا التسامح. لكن القضية هي ان الاعتراف بعيد المسيحيين واعتباره عطلة رسمية لا يمنع الاستيلاء بالقوة على اراضيهم. ولنا في النموذج العراقي قبل سقوط النظام السابق حجة، اذ ان اعتراف النظام السابق بعيد نوروز عيدا قوميا للشعب الكردي لم يمنع استخدام السلاح الكيمياوي ضد الاكراد وازالة قراهم من الخارطة.
على حكومة اقليم كردستان في كل فرصة تعن لها، ايلاء مزيد من الاهتمام بالتقارير الدولية واتخاذ كل الاجراءات الضرورية لمنع اية انتهاكات ضد المسيحيين في كردستان. اما الرد على التقارير الدولية فأن لا يغير شيئا من الواقع. ولا يمكن الاعتماد على هكذا ردود لتبييض وجه الجهات الرسمية. ان التعايش الاخوي بين مسلمي اقليم كردستان ومسيحييه لا يتحقق بالرد على التقارير الدولية، بل باتخاذ اجراءات فعالة وحقيقية لايقاف الانتهاكات ضد المسيحيين.