رحلتي في مناهضة العنف ضد المرأة

نورا خليل

كان ذلك منذ زمن ليس ببعيد ولكن الزمن البعيد لست أذكره إن كان ذلك في الثانية أو الثالثة عشر من عمري في ذلك القرية المنسية حينما بدأت أتساءل أبي في أول تمرد لي لماذا لا أستطيع السفر إلى المدينة لمتابعة مراحل الدراسة المتوسطة ؟ أتذكر وقتها ويتذكرها أبي الحنون إلى اليوم بعد مرور عقود من الزمن حين تساءلت ألأني أنثى أم لأنني أنثى وكنت أتساءل وتصغر من حولي وجوه كل البشر ففي قلبي كانت ومازالت أنثى متمردة وتنطلق من حولي كل اللعنات وهكذا لم أعرف أنه عنف نفسي, وما لا أنساه كانت جدتي تطلب لي الهِداية وتتبرأ مني إن لم أتوقف عن تمردي وذلك ما لم أفهمه وقتها إن كان خوفاً أو عنفاً للمرأة على بنات جنسها ………طبعاً كل ذلك فصل من روايتي التي لم تكتمل بعد.
بعد أن تعمقت وكبرت وعرفت ما هو العنف ضد المرأة وما هي آثاره وكيفية الوقاية منه؟ وما هي نسبة العنف ضد المرأة فيما بعد بدأت بكتابة  “فن إدارة الخلافات الزوجية ” .
فعلى الرغم من التقدم والتطور الذي وصل إليه العالم  مازال العنف ضد المرأة يمارس بكثرة في زاوية التسلط والإهانة وعدم معرفة القيمة الحقيقية للمرأة فيعد العنف ضد المرأة واحداً من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان الأوسع انتشاراً في العالم فهو يتخطى الحدود والعرق والثروة والثقافة والجغرافيا ويحدث في كل مكان في المنزل في العمل وحتى في الشارع أو في المدارس أحياناً، فالعنف ضد المرأة حلقة في مسلسل مفزع من خلال أوضاع سيئة وربما أن مصطلح العنف ضد المرأة في شعوبنا الشرق أوسطية المسلمة مثل المَهر وسن الزواج والعمل والميراث لم يخطر على بالنا، وهذا كثيراً كان يؤدي إلى تفكك الأسرة وإلى العنف المنزلي.
وكوني سفيرة للسلام من منظمات دولية من حيث موقعي أحببت أن أسهم ولو بجزء بسيط في تغيير الرأي لأزيح الظلم المجحف بحق بنات جنسي كي ننطلق نحو واقع اجتماعي أفضل, وكوني امرأة أشاركهن أوجاعهن وآلامهن المنبعثة من التسلط والعنف الممارس عليهن ونكران حقهن أكتب اليوم هنا, ولأنني امرأة عانت من الاضطهاد ومن التمييز ومن العنف تطلعت إلى واقع أفضل وسرت بخطى ثابتة أكثر وواثقة وكنت وما زلت عازمة على التغيير ومحاربة ذلك السلوك المقترن بالقوة الفيزيائية وذلك الفايروس المانع للمحبة والمودة الذي لم يكن فطرياً أبداً, بل هو مكتسب في النفوس البشرية فلم يكن الإنسان عنيفاً يوم ولدته أمه فأبي لم يكن عنيفاً, رغم قساوته وحزمه كان حنوناً وعطوفاً، وأمي رغم ضغوطات الحياة اليومية كانت حنونة وعاشقة رغم قساوتها.
فعنف الآباء على الأبناء وعنف الطبيعة وضغوطات الحياة اليومية والتربية العنيفة هو الذي غرز العنف في خلايا الدماغ ومورثاته وصبغياته, ذاك العنف أول مدرسة للعبودية وأول درس لاهتزاز الكرامة وربما أحيانا كثيرة تكون دافع للعنف مقابل العنف ومجتمعنا السوري اليوم هو أكثر المجتمعات عنفاً حيث الحرب والحصار والدمار وهجر للبيوت وسلب للممتلكات واغتصاب ونهب وقتل للمدنيين والإعلامين, لذلك إن ارتفاع مستوى العنف بين أهلنا يشكل استجابة للعنف الموجود في الوطن وبين المؤسسات والدوائر،  وهناك بعض من البشر أكثر عرضة من غيرهم يقعون فريسة لهذا العنف ولا يوجد بيننا من لا يشارك في طاقة العنف وأنه لا يوجد أيضاً أحد من لم يتأذى من العنف بطريقة أو بأخرى.
ففي العالم أجمع يكون العنف متعمداً أحياناً نحو المرأة ويأخذ عدة أشكال سواء كانت معنوية أو جسدية وحسب تعريف الأمم المتحدة فأن العنف ضد المرأة هو السلوك الممارس ضد المرأة المدفوع بالعصبية الجنسية مما يؤدي إلى معاناة وأذى يلحق بالمرأة في الجوانب الجسدية والنفسية والجنسية ويعد التهديد بأي شكل من الأشكال والحرمان من حرية المرأة في حياتها الخاصة أو العامة ولا ينحصر العنف ضد المرأة في شكل واحد, بل يأخذ عدة أشكال منها العنف الجسدي الذي يعد أكثر الأنواع انتشاراً ضد المرأة وعادة يتسبب به الزوج أو أحد أفراد عائلتها من الذكور ويشمل هذا النوع أي أذى جسدي يلحق بالمرأة سواء كانت اعتداء بالضرب وحتى يتسبب في كثير من الاحيان بوفاة الضحية نتيجة القوة المفرطة والضرب المبرح الذي تعرضت له وكذلك جرائم الشرف التي ترتكب بحق المرأة.
العنف اللفظي والنفسي وهو العنف الممارس ضد المرأة من خلال ألفاظ مهينة أو شتائم تنقص من قدرها بالإضافة إلى التهديد اللفظي وسوء المعاملة ويشمل ذلك التهديد بالطلاق
والعنف النفسي آثاره السلبية تنعكس على نفسية المرأة بالرغم من عدم وجود آثار واضحة إلا إنه يؤدي إلى إصابة المرأة بأمراض حادة كالاكتئاب.
أما العنف الجنسي منها الاغتصاب والتحرش الجنسي أو التهديد الجنسي أو أي علاقة بالإكراه أو الاغتصاب أو إجبارها على الدعارة أو أي فعل أو قول يمس كرامة المرأة ويخدش كبريائها من تعليقات جنسية سواء كانت في الشارع أو عبر وسائل التواصل ,,,,,,,,والخ
كما يندرج تحت هذا النوع من العنف الجنسي في حالات الصراع والنزاعات والحروب ومنها خطورة تعرض المرأة للاغتصاب في المناطق التي تعاني من حالات عدم الاستقرار السياسي والحروب
العنف الاقتصادي هو العنف الذي يمنع المرأة من الحصول على استقلاليتها الاقتصادية وممارسة ضغوطات اقتصادية على المرأة كمنعها من العمل أو إجبارها على العمل أو السيطرة على أملاكها وحقها في الميراث أو إساءة التوكيلات والوصاية على أحد
طبعا لكل أنواع العنف سواء كان عنفاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو قانونياً أو سياسياً او دينياً أو جسدياً أو جنسياً أو نفسياً أو الكترونياً؛ عدة أسباب، وأحيانا تكون هي نفسها وراء كواليس العنف الممارس عليها برضوخها وسكوتها وتقبلها له والسكوت عليه وكذلك بجهلها بحقوقها والتربية العنيفة التي أنشئت عليها والعادات والتقاليد البالية ,,,,,,والخ
وترجع أسباب العنف ضد المرأة إلى عدة دوافع اجتماعية ونفسية واقتصادية وأن العوامل الاجتماعية من أبرز الدوافع لارتكاب العنف وتشمل تدني مستوى التعليم وتفشي الجهل بين أفراد المجتمع وبالتالي سهولة التأثير في المعتقدات الخاطئة المتعلقة بشرف العائلة وفرض القوة الذكورية.
 أما الدوافع النفسية فمنها عنف الآباء أو اعتداء الأب على الأم والتربية العنيفة منذ الصغر يأتي شكل من أشكال العنف واضطرابات في الشخصية.
أما الدوافع الاقتصادية منها الضغوطات الاقتصادية التي تعاني منها شريحة واسعة من المجتمع وتدني مستوى المعيشة وتفشي البطالة والفقر.
أما آثار العنف ضد المرأة فهي خطيرة ولا تقتصر على المرأة فقط بل تمتد لتشمل أسرتها المحيطة والمجتمع ومن أبرز الآثار المترتبة.
آثار صحية: كَدَمَات وجروح واضطرابات داخلية ومشاكل في الجهاز الهضمي والتأثير في الحركة وتدني مستوى الصحة بشكل عام, وآثارها النفسية الاكتئاب الحاد والاضطراب النفسي وقد يودي بالضحية إلى محاولات انتحار نتيجة الضغط النفسي الذي تقع تحته أو إدمان شرب الكحول والتدخين وإدمان المخدرات.
آثار اجتماعية: منها الاضطرابات الاُسرية التي تنعكس بدورها على الأطفال بشكل كبير وقد تؤدي إلى إصابتهم بعدم استقرار نفسي وعاطفي.
المشاكل الاقتصادية: تشكل عائقاً أمام ممارستها دورها الفاعل في المجتمع وتحرمها من استثمار قدراتها في الدفع الاقتصادي للمجتمع.
الأهم هو التصدي للعنف فيجب على جميع أفراد المجتمع  التكافل فيما بينهم بشكل كبير وتبدأ الوقاية من المناهج الدراسية ونشر الوعي الصحي والثقافي إلى جانب الخطط الاقتصادية التي تُمكّن المرأة من تعزيز دورها في المجتمع وتقديم دورات تدريبية لها لدعم تطويرها ومهاراتها وقدراتها وتشجيع المساواة بين الجنسين وتقديم فرص متساوية لكل منهما وتعزيز مفهوم قيام العلاقة على مبادئ الاحترام والتفاهم والقيام بمبادرات وحملات للحد من العنف ولا ننسى حملة ال 16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة السنوية والتي تقوم بها الجمعية العامة لأمم المتحدة
من 25نوفمبر اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة وتنتهي ب 10 ديسمبر اليوم العالمي لحقوق الانسان وذلك مع الكثير من المنظمات غير الربحية لرفع مستوى الوعي العالمي حول ما تتعرض له المرأة من الاضطهاد ومن أشْهَرِ الحملات كانت عام 2008 التي أطلقها بان كيمون تحت شعار / اتحدوا لإنهاء العنف ضد المرأة / وكذلك حملة / لون العالم برتقالياً /التي تدعو جميع المؤسسات لتضافر جهودها في محاربة ظاهرة العنف والتصدي لها من خلال إصدار قوانين وعقوبات تُجرِّم مرتكبي العنف وتنفيذ خطط للحد منه ونشر الوعي المجتمعي ووضع وتنفيذ خطط وطنية مشتركة من قبل جميع أفراد المجتمع والتعاون مع الشركاء والمنظمات غير الربحية الدولية في إجراء البحوث الاجتماعية الشاملة لمعرفة حجم المشكلة ووضع الحلول المناسبة لها.
وفي الختام الأهم من كل ذلك كي لا تشعر المرأة بعدم الأمان في الحياة والإبداع وعدم القدرة على تربية أطفالها وتنشئتهم وكي لا يشعرنَ بالخوف الدائم وفقدان التركيز وعدم الثقة بالنفس والقلق وعدم تقدير الذات والاكتئاب والعزلة وفقدان الأصدقاء وضعف الاتصال الحميمي بالأسرة علينا التصدي لهذا الوباء العالمي الذي تعاني منه 70%من النساء وللإعلام الدور الأهم والكبير في صناعة ثقافة متطورة تجاه المرأة كوجود ورسالة ودور إنساني وعليه يقع مسؤولية مضاعفة لِخَلقِ ثقافة الحب، وحياة الشراكة الندية.