الفاشية التركية تدافع عن تراث أجدادها

صالح مسلم

كل قارئ لتاريخ الشرق الأوسط يعرف كيف توسعت الإمبراطورية العثمانية إلى المساحات التي يتغنى بها السلطان الجديد عندما يقول: كنا نملك عشرين مليون كم مربع من الأرض، فكيف سنرضى بسبعمائة ألف كم مربع؟ أي أنه يتطلع إلى التوسع إلى ما كان يملكه أجداده، كما يجب ملاحظة الشعار الذي رفعه داعش “دولة الخلافة باقية وتتمدد” وهو الشعار الذي يرفعه السلطان أيضاً.
لقد توسع العثمانيون بالسيف؛ أي بقطف الجماجم والسلب والنهب والسبي على يَدِ جيشِهِم الانكشاري بطليعة وحدات خاصة تسمى “الشباب المجنون” التي كانت تمارس التدمير والحرق والقتل من دون حدود تمهيداً لدخول الجيش الإنكشاري إلى المدينة أو المنطقة المستهدفة، وبات ذلك أمراً تقليدياً للعثمانيين في كل مكان توسعوا إليه، والتاريخ يذكر أن هؤلاء ذبحوا ثمانية ألاف شخص في يوم واحد عند غزوهم للقاهرة بعد معركة الريدانية 1517، وفعلوها قبل ذلك في مرج دابق 1516 ، وتجدر ملاحظة أن مجلة داعش سميت “دابق” كدلالة تاريخية على أهدافهم.
وعندما تحولت الإمبراطورية إلى رجلٍ مريضٍ وَسَعَتْ القِوى العالمية المهيمنة إلى اقتسامِ تَرِكَتِها؛ أَبَت العثمانية أن تزول إلَّا بعد وَضعِ بَصمَتِها الدموية على التاريخ مرَّةً أخرى، فكانت الإبادة العرقية الأرمنية التي راح ضحيتها مليون ونصف المليون من أبناء الشعب الأرمني، والبقية الباقية من الأرمن ما زالوا في الشتات يَحلمُونَ بالعودة إلى أرضِ الآباءِ والأجداد، والعثمانيون الجدد لهم بالمرصاد يمنعون أن تقوم لهم قائمة بشتى الوسائل والأساليب، وكذلك الشعب السرياني الذي تعرَّض لإبادة “سيفو” وراح ضحيتها سبعمائة ألف، والبقية الباقية تشتتت في الدول المجاورة وكل أصقاع الأرض.
كانت هناك شعوب تاريخية عاشت في المنطقة مثل البونتوس واللاز في سواحل البحر الأسود ولكنها تعرضت للإنقراض على يد العثمانيين، فهل هناك مَنْ سَمِعَ بتلك الشعوب والأقوام؟، وكذلك الروم الذين كانوا يقطنون في غرب تركيا الراهنة لم يبقَ منهم سوى الذين لجأوا إلى اليونان أو إلى الأصقاع الأخرى من المعمورة.
أما قصة العثمانيين مع أبناء الشعب الكردي، فهي مختلفة إلى درجة ما، وما زالت فصولها متواصلة، فالعثمانيون لجأوا إلى المكائد التي اشتهروا بها عبر تاريخهم، أي المكيدة أولاً ثم الإبادة، وهذا ما يشهد التاريخ عليه منذ أيام إدريس البدليسي، حيث استطاعوا شدَّ الكرد إلى جانبهم من خلال الوعود والمال بهدف استخدامهم ضد الشعوب الأخرى وضد الكرد الآخرين من بني قومهم، وذبح الذين يرفضون القبول بأن يكونوا أدوات لهم، هذا ما نشهده في تاريخهم مع البدرخانيين ومع عبيدالله النهري والآخرين الذين لم يلحقوا بالركب العثماني الدموي؛ كما أن الكرد الذين لحقوا بالركب العثماني لم يخلصوا من الشتات والزوال؛ لقد رمى العثمانيون بهم إلى كافة أصقاع الأرض فنرى بقاياهم في اليمن وفي الشمال الأفريقي وفي ألبانيا وكل مكان وصل إليه الجيش العثماني الإنكشاري.
زالت الإمبراطورية العثمانية ولكن تراثها في القتل والتنكيل بقي لدى الجمهوريين الذين استبدلوا العِمَامَةَ العثمانية بالقُبَّعَة الغربية، فكانت العديد من المجازر في كوجكيري، وبالو وآغري وديرسيم وما زال الحبل على الجرار، ومع التطور البشري تطورت الوسائل والأساليب العثمانية أيضاً، وآخر تلك الإبتكارات كان داعش الذي أحيا التراث العثماني مرة أخرى، ولا يمكن فهم دوافع وعقيدة داعش إلّا بالنظر إلى ما جرى ويجري من خلال مرآة التاريخ العثماني ومكائد قصور السلاطين العثمانيين. فالإمبراطورية تبقى ما دامت الحروب والفتوحات مستمرة، وعندما تنتهي الغزوات والفتوحات والحروب تنتهي الإمبراطورية أيضاً، وهذا ما نشهده اليوم، فلننظر إلى جبهات القتال التي تخوضها دولة السلطان الجديد!! هناك حرب جارية ضد الكرد داخل الدولة التركية ضحاياها بالعشرات كل يوم، وهناك غارات جوية يومية ومعارك دائرة في جنوب كردستان وضحاياها بالعشرات يومياً أيضاً، وتَسَتُّر الدولة التركية على الخسائر لايعني نفي الحرب الدائرة في داخل تركيا، بالإضافة إلى ما يجري في إدلب وعفرين وشمال وشرق سوريا.
السلطان الجديد يدرك تماماً حقيقة أن السلام سيقضي على أحلامه في التوسع والتمدد، ولهذا يعرقل كل جهود السلام في سوريا وفي العراق وحتى في داخل تركيا، وشعوب المنطقة عامة والشعب الكردي بشكل خاص يدفع الثمن.