المنطقة الشرقية وحديث الشرعية

رياض درار

يكرر الروسي أن وجود الأمريكيين غير شرعي في المناطق الشرقية، علما أن الأمريكي حضر إلى أرض تخلى عنها النظام وتركها لداعش والمنظمات الارهابية، وحررها أبناء الأرض الذين تمسكوا ببقائهم فيها وبدعم من قوات التحالف. فهؤلاء وحدهم من يقرر أين تكون الشرعية ومن يمثلها، ولكن المسألة ليست بهذا الوارد في نظرهم لأنهم يرغبون بعدم المواجهة حول المصطلحات.
الولايات المتحدة موجودة في العراق وتعتبر أنها مهددة من تمدد داعش في سوريا وكان المنتظر أن تنشأ مقاومة ومواجهة تحاصر هذا التنظيم، لكن قوات النظام انسحبت وتركت الأرض مفتوحة أمامه، حتى تمكن من نصف الأراضي السورية. فكان التوجه نحو دعم لقوات الجيش الحر بغاية دحر هذا التنظيم ولم يتمكن لأسباب يعرفها المتابعون. فجرى الاستنجاد بالقوات التركية التي تلكأت وناورت على تأخير اشتراكها في مواجهة التنظيم ولأسباب كثيرة، منها الرضا باستقرار هذا التنظيم على حدوها وتعاونه معها، وتنظيمه التجارة ونقل النفط إليها، ومنها الخشية من ردود انعكاسية على الأراضي التركية وقد ظهرت بعضها في تفجيرات عينتاب وفي مطار اتاتورك حين بدأت تتنبه إلى خطورته.. وحين ظهرت قوات حماية الشعب التي لفتت الأنظار إليها بعد معارك كوباني “عين العرب” كان التحالف الدولي وكانت الشراكة التي طهرت البلاد من التنظيم الارهابي واستعادت عاصمته المزعومة الرقة درة الفرات.
إن تطور المواجهات مع روسيا بعد تدخلها منتصف العام 2015 كان نتيجة عقم مسار التسوية والانتفاخات التي حصلت للمعارضة الموجهة من دول الخليج ومن تركيا، قاد إلى تفاهمات بعد التحاق أردوغان بالحلف الروسي، وبعد تفاهم حلب حيث تم تسليمها مقابل جرابلس والباب، وكانت آستانا بداية تقسيم المعارضة وتآكلها قطعة قطعة، بعد اتفاق خفض التصعيد، فالطرف المعارض تفكك عمليا بفعل التحولات السياسية والعسكرية، ومنذ معركة عين عرب (كوباني) بات واضحا أن رهانات الولايات المتحدة تتحول تدريجيا وتقترب نحو مساحة سورية مختلفة، وهو ما استدعى تواجدها العسكري سواء في منطقة الجزيرة السورية أو في التنف. كما أن تبدل الجبهات دفع إلى تغيير شكل الصراع من خلال اشتباك سياسي جعل الولايات المتحدة تعود بقوة إلى الأرض، وتمكين وحداتها وتوسيع قواعدها فيها، فالمسألة لم تعد للتخلص من القوات المعارضة والدفع بعملية السلام قدما نحو الحل السياسي وإنما استغلت روسيا التبدلات لتقيم حلفا بدأت تعيد من خلاله تمركزها في الشرق وتبني محورًا أبعد من إطار التسوية في سوريا، وتستخدم ذلك بذريعة الشرعية لإبعاد تأثير الولايات المتحدة التي بدورها عادت للحل في جنيف متمسكة به وجامعة حولها المجموعة المصغرة واضعة ايران نصب أهدافها لاخراجها من سوريا، لاعاقتها الحل فيها، ولسحب القوات التي تستعيض بها روسيا كرديف على الأرض نتيجة ضعف تدخلها البري. مكتفية بقواتها الجوية ومنظومتها الدفاعية.
إن مخاوف وزير الخارجية الروسي من شرق الفرات تقود لاحتمالات جديدة تهدد مستقبل المنطقة، وهي صادرة من الحلف الثلاثي “حلف الشرق” بوقت واحد. مايعني أن مشروعا للمنطقة يهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة، وليس الخوف من القوة الناشئة في شرق الفرات هو الدافع لهذه التهديدات. لأن الجميع يعرف أنها قوة لاتهدد وإنما تدافع عن المنطقة ضد قوى الارهاب، وتمد يدها للتفاوض بلا شروط مع الحكومة السورية، وتسعى لإقامة ميزان جديد تقوم على أساسه دولة حديثة آمنة لأبنائها مسالمة لجيرانها. فالتخوف الروسي لا يعني الخوف من “إنشاء كيان” حسب تعبير لافروف، بل نقل الصراع إلى حالة جديدة، عناصرها قوى وجيوش وليس مجرد ميليشيات وأتباع، بينما أمريكا لايمكن توقع أهدافها في سوريا، لأنها تسعى للتحكم بالمنطقة الآسيوية عن طريق افقاد منافسيها في الاقليم والدوليين قدرتهم على المبادرة والتمدد في مناطق نفوذها التي صارت تاريخية. وهو جزء من صراعها مع الصين القادمة بهدوء حية زاحفة على طريق الحرير
نعود إلى حديث الشرعية فهو حديث سياسي لايقوم على ثوابت قوية وهو ورقة للتحرش، ولكنه يضع المنطقة على أعتاب مرحلة ساخنة وفتح باب للصراع قد يغير وجه المنطقة كلها.