ولكن ماذا كان رأي المرتد كاوتسكي؟

ستران عبد الله

قبل مئة سنة كتب (الرفيق) لينين كتابه السجالي حول الديمقراطية البرجوازية و(بدیلتها الثورية): الديمقراطية البروليتارية في الرد على المفكر الالماني كارل كاوتسكي، كان اسم الكتاب: الديمقراطية والمرتد كاوتسكي.
ويغنينا وصف كاوتسكي بالمرتد عن التساؤل حول نظرة لينين لمساهمات المحاور المختلف معه في الأدبيات الاشتراكية، فهو مجرد مرتد آيديولوجي ينبغي سحقه لا انتظار النفع منه.
واستذكار مئوية هذا الكتاب ليس من أجل الفذلكة الفكرية في دعم مساهمات لينين الفكرية ودوره الكبير في تطوير الأدبيات الماركسية. فهناك على طول البلاد وعمر العباد من أوفى هذا الموضوع حقه، ولا من أجل إعادة الاعتبار للرفيق كاوتسكي ودوره، هو الآخر، في السجالات الفكرية في الربع الأول من القرن العشرين.
ليس من أجل هذا ولا ذاك، بل غايتنا من أجل التوقف عند ظاهرة تتكرر في التصارع السياسي على مسرح الحياة في بلادنا، ظاهرة اجتماعية جرت العادة على تسميتها بالفكر السائد أو النمطية في التفسير والتعاطي مع الظواهر والأشياء والاحداث، هذه النمطية التي يمكن تفهمها فيما يخص تعاطي العوام، أما والمسألة تتجاوز الى تمثلات النخبة ورؤاها فإن تجذر هذه العدوى ومئويته شرقياً وفي الشرق محلياً، يحتاج إلى وقفة نقدية ليس الغرض منها مدح أو قدح لينين أو تروتسكي، فربما في بلد المنشأ، أو يقيناً، كان المحاوران أعطيا هذا الموضوع حقه وكان لهما الفرص ذاتها في الدفاع عن وجهة نظرهما،كل على حدة.
ولكن النمطية الشرقية كانت أقوى من الهيام بالتحاور، العنيف منه والهادئ، الرجعي منه والتقدمي، لذا اكتفينا في بلاد الشرق بما كتبه رفيقنا اللينيني فلادمير طالما أن نموذجه السوفيتي انتصر على السجالات الأخرى لدعاة الاشتراكية غير البلشفية، والكاوتسكية طبعاً من أعمدتها.
لقد درجت مطابع المعسكر الشرقي من “دار التقدم” إلى “دار داروغا” إلى “الفارابي” والى المطابع الخفية مما هو من مستلزمات النضال اليساري السري على تدوير ترجمات الرد على الكاوتسكية طوال عقود، لذا اكتفينا برواية الرفيق لينين ودحضه لحجج كاوتسكي (المرتد).
ولم نسأل الى أن حلت المئوية، ماذا كانت حجج المرتد ولماذا ارتد؟
ان الرواية الشرقية قدمت عن كاوتسكي صورة شيطان آفاق، خادم للبرجوازية أو مطية لها على حد وصف الشهيد “فهد” لحكومات المرحوم نوري سعيد. عادت أرواح السادة لينين وكاوتسكي وفهد ونوري سعيد الى باريها ولم يرجع قط الحق الموضوعي الى اصحابه في التقييم المنصف. وظل التفكير النمطي سيد الموقف راسخاً متجذراً غير عابئ  بتلوث الحقيقة وتشوش الذهن والرؤية.
كيف يمكن لهذا الخطأ الجسيم وهذه المزحة السمجة أن تتكرر دائماً؟
هل هي نتاج النمطية في التفكير والتبسيط، في اعتماد البصر بدلاً من البصيرة؟ إن خطأ وجناية الخطيئة مضاعف إذ يبرز في ساحة النخبة. تذكروا، كنموذج، كاريكاتيرات الصحف في العهود السابقة، حيث الرجل النحيف يمثل الفقر والبؤس، والرجل السمين يمثل الرأسمالية والاحتكاريين، إن الشيء السيئ والمخجل في هذا الأمر ليس في تواري الرأسمالي السمين، في الكاريكاتير، عن الأنظار بل في تعرض السمين، الفقير والمنكوب، للتحقير والعقاب المعنوي اعتماداً على نمطية في التفكير، سطحية قاتلة للعدالة ومشتتة للذهن السليم.
فأغنياء اليوم رشيقو القد والقوام، وفقراء العصر الجديد ولربما كان القديم كذلك، فيهم السمين والنحيف وفقرهم مكنون في الباطن لا في ظاهر البطن.
وأتذكر حين كنا في جامعة الموصل، حيث النقاشات الشبابية حول انهيار الاقتصاد والاشتراكية كجزء من اهتمامات طلبة قسم الاقتصاد بالموضوعات الاقتصادية، فإن صديقاً يسارياً كان يجادل صديقاً آخر حول الانتصار الحتمي للرأسمالية اعتماداً على الكتاب الرائع والصادر وقتها للدكتور فؤاد مرسي، (الرأسمالية تجدد نفسها) حول تجديد الرأسمالية لآليات عملها. حيث أنبرى صديق آخر حسماً للجدل البيزنطي: ولكن لماذا تظنون أن الرأسمالية تقر بقدمها وعفونتها حتى تعترف بضرورة تجديد نفسها؟
صحيح لماذا نظن أن الرأسمالية تتبنى أحلامنا ورؤانا حتى نتصور أنها تشعر بما نشعر اوبما كنا نشعر به وقتها من الألم والحزن؟ وما زلت أتذكر هذا الحسم اليساري لصديقي العتيد وما زلت كما أقول على سبيل التنهد والتهكم معاً: ولكن ماذا كان رأي المرتد كاوتسكي.