حين يكون الجاني غبياً

شيرزاد شيخاني

لم تثر جريمة قتل بحق معارض سياسي طوال التاريخ المعاصر للأنظمة الدكتاتورية، مثلما أثارت جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي. فقد قامت الدنيا ولم تقعد لحد الان بسبب تلك الجريمة البشعة التي إرتكبها بعض المحسوبين على النظام السعودي ، فالكرة الأرضية برمتها مشغولة هذه الأيام بتداعيات هذه الجريمة التي ستتسبب حسب إعتقادي بعقوبات قاسية ضد السعودية، لعل أهمها هي انتزاع العرش الملكي من ولي العهد محمد بن سلمان . والسؤال هو: هل كان الأمر يستحق كل ذلك ؟. الجواب سيأتي فيما بعد.
ولكن لنعد الى تداعيات الجريمة التي أثارت العالم كله وكأنها الجريمة الوحيدة التي تقترفها الأنظمة الاستبدادية ضد معارضيها . فطوال حقبتي السبعينات والثمانيات إقترفت أنظمة استبدادية جرائم أكثر قساوة ووحشية بحق معارضيها ولم ينبس أحد تجاهها بالشفة . ولعل إشارة طفيفة الى قائمة من الاغتيالات السياسية في تلك الحقبتين ستكون مفيدة لمن يريد التذكر ، وقد يواسى أهالي الضحايا الذين ذهبوا نتيجة مواقفهم السياسية من الاستبداد والظلم والقهر السلطوي .
 ففي مفتتح السبعينيات إغتالت المخابرات العراقية الفريق حردان التكريتي داخل الكويت بسبب خوف سلطات البعث منه . وقتلت المخابرات أيضا القيادي والسياسي اللامع عبدالخالق السامرائي وأكثر من عشرين قياديا بعثيا آخر عشية تسلم صدام حسين للسلطة في تموز عام 1979 .وفي الثمانينيات إغتالت المخابرات السورية الصحفي الكبير سليم اللوزي في لبنان حين عاد من أوروبا ليدفن والدته ، وعثر على جثته مشوها حاله حال الخاشقجي ، وأذيبت أصابعه بحامض الكبريت في إشارة الى أنه كتب مقالات ضد النظام السوري .وفي الثمانينيات والتسعينيات إغتالت المخابرات الإيرانية كلا من سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني عبدالرحمن قاسملو ثم خليفته صادق شرفكندي داخل ألمانيا التي تنوح مستشارتها اليوم على مقتل خاشقجي . وتوالت سلسلة التصفيات الجسدية منذ السبعينيات الى حد اليوم دون أن تثير تلك الجرائم الرأي العام العالمي كما نراه اليوم ، فهل كان جمال خاشقجي الصحفي السعودي أكبر وأرفع مقاما من حردان التكريتي واللوزي وعزيز السيد جاسم وصالح مهدي عماش وغيرهم العشرات من خيرة العقول السياسية والإعلامية ، أم أن الأمر فيها لعبة سياسية  ومصالح تقتضي إثارة مثل هذه التداعيات ؟! .
دعونا نعود الى ملابسات الجريمة . كان هناك معارض للنظام السعودي يدعى جمال خاشقجي ، وكان هذا يبدي رأيه في القنوات الإعلامية حول أوضاع بلاده ويدعو الى تغيير سياساتها ،وهذا الرجل لم يقم بتحشيد الدبابات والطائرات للانقلاب على السلطة الملكية ، ولم يحرض الدول الكبرى للإطاحة بنظام بلده ، ولم يزرع قنبلة في طريق الملك أو ولي عهده ، ولم ينشيء حزبا ثوريا للإطاحة بالسلطة الملكية ، كل مافي الأمر أنه تحدث بوسائل الإعلام عن معاناة أبناء وطنه مع غياب الديمقراطية ، فهل يستحق هذا الرجل أن يقتل ويمثل بجثته في واقعة تعيد الى أذهاننا الجرائم المقيتة التي كانت تنفذ ضد معارضي خلفاء الاسلام بقطع الرأس وحمله في جراب يقدم الى الخليفة . فهل هذا أمر يمكن قبوله في العصر الحالي ؟.
الحماقة التي إرتكبها الجناة في تنفيذهم للجريمة، أنهم لم يكونوا حرفيين وأكفاء كما يفترض بمن تدعمهم دولة كبرى مثل السعودية وتوفرها لهم من وسائل مادية لتدبير الجريمة التي إرتكبوها بكل حماقة وبلاهة . فلم يكن هناك أي داع لإرسال 18 شخصا لقتل شخص واحد قال بيان صادر عن الدولة السعودية أنه قتل بسبب شجار وقع داخل القنصلية !.
هذه الجريمة الوحشية تثير أسئلة كثيرة، أهمها :
 السؤال الأول : لماذا إختار الجناة مقر القنصلية لتصفية هذا المعارض ؟. ألا يفترض أن يكون من يعملون في القنصليات من شخصيات دبلوماسية هادئة ، وليس من البلطجية والمجرمين القتلة ؟. ثم كيف نسوا بأن في العصر الحالي تنتشر بجميع أجزاء المدن وحتى أجوائها كاميرات المراقبة ترصد كل حركة لأي شخص ، حتى الدكاكين الصغيرة التي تبيع الأحذية فيها كاميرات مراقبة، ألم يحسبوا حسابا كيف يمكن تغطية دخول وخروج خاشقجي دون أن تترصده الكاميرات المنصوبة بالعشرات حول القنصلية ؟.
سؤال آخر : لنفترض أن شجارا وقع بين خاشقجي وموظف الاستعلامات ، أو لنقل فيلق الاستعلامات المكون من 18 شخصا ، فلماذا قطعوه إربا إربا بعد قتله؟ ، ولماذا فصلوا رأسه ؟. ولماذا لم يخبروا السلطات التركية بأن شجارا وقع بين أحد المراجعين وموظفي القنصلية لكي تأتي وتعاين الجثة وتسلمها الى السعودية بعد إجراء التحقيقات وتنتهي المشكلة بمحاسبة الموظف الذي قتل خاشقجي ؟.
 سؤال آخر: اذا كانت هناك فعلا نية مبيتة لدى المجرمين المخططين للجريمة بالتخلص من خاشقجي، فلماذا لم يقتلوه خارج مبنى القنصلية ، وهل إستعصى عليهم أن يكلفوا أحد أعوانهم من جماعة داعش لكي يفجر نفسه بخاشقجي عند خروجه من القنصلية ؟ علما بأن تركيا تمتليء بالدواعش المدعومين بعضهم من قبل السعودية  ؟. أو لماذا لم يكلفوا احدى عصابات المافيات والعالم تمتليء بقتلتها لكي يصفوا خاشقجي حتى وهو داخل الأراضي الأميركية ؟.
 سؤال آخر : كيف توقع هؤلاء الحمقى المجرمين بأن تسكت تركيا عن وقوع جريمة فوق أراضيها ضد شخصية إعلامية كبيرة وشهيرة بوزن خاشقجي لمجرد أنها سوف تتلقى بعض الأموال والاستثمارات السعودية ؟ وكيف تصوروا بأن تسكت السلطات التركية عن الجريمة تجاه الرأي العام الداخلي ، وتتغافل عن ردود الفعل الدولية تجاه هذه الجريمة ؟.
والسؤال الأكبر هو: هل يستحق قتل خاشقجي التضحية بملك المملكة وبخسارة مليارات الدولارات ؟ . والأهم من كل ذلك خسارة سمعة المملكة كبلد يعتبر مهد الاسلام ، وماذا ستكون عليه سمعة الإسلام بعد أن تأكد العالم بأن خاشقجي قد قطع رأسه ومزقت جثته بمثل هذه الوحشية البدائية ؟.
هذه الجريمة ستكون لها تداعيات مستقبلية، وأهمها أنها ستكون رسالة لكل الأنظمة الدكتاتورية والإستبدادية مفادها بأن الجرائم الكبرى التي ترتكب ضد المعارضين لم تعد سهلة أو تمر مرور الكرام كما في السابق ، بل أنه من الآن فصاعدا ستكون لها نتائج خطيرة على تلك الأنظمة التي سترغم على دفع الثمن ، والعبرة لمن إعتبر .