نحو كونفدرالية الشعوب الديمقراطية

آلدار خليل

طرح القائد عبد الله أوجلان كونفدرالية الشعوب الديمقراطية كسبيل نحو فناء الأمة الواحدة وطرح لمنع تطور حالة الشتات داخل المجتمعات، وقد كان طرح القائد عبد الله أوجلان في سياقه الطبيعي يشير إلى حجم التآمر الكبير على مصير الشعوب وعلى حقيقتها الهامة والتي تتوافر فيها بشدة السبل الكافية لتحقيق الوحدة والتماسك الجيد.
وبالنظر إلى ما نعيشه اليوم في شمال وشرق سوريا، ولو سلطنا الضوء على جانب من جوانب الحرب الشرسة على مجتمعنا، سنجد أن كل ما يتم طرحه هو على النقيض مع تماسك المجتمع، وهي تصريحات ومخططات وتوجهات تريد بث التفرقة والشتات، وهذا ما يؤكد لنا وبشكل دامغ أننا نقود تجربة حقيقية مقياس الصواب والحق فيها يظهر من خلال حجم الهجوم الذي تشنه الدولة بمفهومها وسلطاتها، بغض النظر عما إذا كانت الدولة الآن في الداخل أو في الخارج.
الهجمات اليوم لا تقتصر على الكرد فقط، هناك من يريد تحت مسمى الهجوم أو العداء لمكون أو شعب معين، تنفيذ إباداته بحق كل الشعوب، لا يوجد نظام أو دولة مع شعب أو مجتمع وضد آخر، وعلى وجه الخصوص حينما يكون ذلك المجتمع باحثاً عن إرادته ويريد إحياء هويته الأصيلة والحفاظ عليها، هم ضد كل من يبحث عن حريته وحقوقه. لذا؛ يحدث الهجوم ضد كل الشعوب والمجتمعات وإن تم التسويق لعكس ذلك.
ما أريد توضيحه هو أن العالم يحتاج إلى بناء رؤية مجتمعية موحدة هدفها وحدة الشعوب دون التقوقع وحصر الأمور ضمن جغرافية محددة أو مكان تواجد ما، بحيث يتشارك في هذه الرؤية كل الشعوب والمجتمعات في العالم، وبهذا يكون مجتمعنا جزءاً من تلك الوحدة.
المجتمعات التي تبحث عن أهداف حقيقية لتطوير واقعها وتعزيز الديمقراطية والعلمانية وتريد الحد من سيطرة الأفراد أو الدولة على وجودهم وهويتهم، يمكن لها أن تتوحد في المبادئ والأفكار مع أي مجتمع آخر في أي مكان، أما آلية التوافق والمشاركة في المبادئ، فهي توسع حجم النضال لأجل تحقيق الأهداف التي تخدم المجتمع، وبالتالي انتصار أي مجتمع في أي مكان يعني دفعة معنوية كبيرة للمجتمعات التي لا تزال تناضل في المضمار نفسه، وعاملاً هاماً لتحقيق النصر لديها، وهذا بحد ذاته تقدم لافت من أجل بناء منظومة مجتمعية متكاملة تتطور فيها عوامل النصر على الأفكار التي تلغي وجودها وتحاول السيطرة عليها وخلق الشتات فيها.
ولا بد من أن يقابل حجم الهجوم لمنع ولادة إرادة المجتمعات وحرية شعوبها، رؤية مشتركة نحو إفشال الهجوم المذكور، هذه الرؤية هي التي نناضل من أجلها اليوم في شمال وشرق سوريا. وفي ضوء ذلك نرى أن توجه المجتمعات في العالم لبناء نظامها ووحدتها، خطوة ضرورية.
الانطلاقة الهامة اليوم تكمن في العمل معاً كشعوب تبحث عن هويتها الأصيلة ومجتمعها الحر لبناء وحدة مجتمعية وتقارب فعلي في الأهداف والمبادئ. إن وحدة الشعوب هي الطريق نحو الخلاص من مخططات الدولة وسياساتها ومن القمع والتحكم. وتتحقق الحرية الفعلية والديمقراطية العملية بتكامل ووحدة المجتمع الذي تتحد فيه الشعوب على مختلف انتماءاتها وتتكاتف بنظام كونفدرالي ديمقراطي يكون المظلة الجامعة للشعوب ومجتمعاتها، وهنا لا بد من وجود النضال المشترك في سبيل تحقيق كونفدرالية الشعوب الديمقراطية مع توحيد الجهود والطاقات والإمكانات بين مجتمعات العالم.
إن بناء كونفدرالية الشعوب الديمقراطية في العالم سيحقق عوامل الاستمرار والبقاء. ودون شك ستحافظ هذه الرؤية على الأصالة وستفشل محاولات الذوبان والصهر الثقافي والاجتماعي وعمليات الاستبدال البشري بعناصر سلمت هويتها وتاريخها للدولة وأجهزتها لتقوم هي بدورها في إيجاد عوامل الشتات والصراع كحال سياسات التغيير الديمغرافي.
إن مخططات الغزو الثقافي بإيعاز الدولة للحفاظ على ما يخدمها ويضمن لها البقاء كفكر وذهنية والكثير من السياسات أقلها خطوة إشعال فتيل الحرب ناهيكم عما هو خفي، يجب أن ندركها تماماً وندرك أنه لا يوجد من هو مستثني من العزل والإنكار وتشويه التاريخ، فطالما كانت هناك أجهزة تريد البقاء لذاتها، وقد تأسست تلك الأجهزة والأنظمة لحكم الشعوب، ولا يمكن لها أن تكون جزءاً في الدفاع عن الشعوب من أجل تحقيق أهدافها كشعوب ومجتمعات.
إن مجتمعات العالم أحوج اليوم لأن تكون متوجهة للانفتاح على بعضها البعض وتؤمن بأن وحدتها هي السبيل لقوتها وحريتها وتعزيز وجودها، وعلى المجتمعات كافة أن تتحرر من تلك القيود التي تفرضها الدولة وتحاول منع تطور حرية المجتمعات وتعارض نيلها للحرية.
الدولة كسلطة لا تقبل دوماً بوجود مجتمعات تريد بناء ذاتها، وكذلك وحدة المجتمعات تكون من خلال الابتعاد عن تأثيرات الدولة، لا يمكن الحديث عن وحدة الشعوب بدون وجود نظام يعزز ذلك ويحافظ على تلك الوحدة بطريقة متينة تعجز الدولة أو السلطة عن مواجهتها، وهذا ما نراه يكمن في كونفدرالية الشعوب الديمقراطية.
ستساهم كونفدرالية الشعوب الديمقراطية في بناء نموذج هام لتحقيق التماسك والقوة، فقد تسببت الممارسات التي تمت في مجتمعات العالم، في جعل حالة الشتات والشرخ كبيرة. إن ترميم جسور التواصل والعمل بشكل جماعي في نظام شرعي وديمقراطي يساهم في الحد من تطور حالة الخلافات الموجودة، لا بل وتحقيق الوحدة في النظام الكونفدرالي على أسس الاختلاف والتنوع تماماً كما أن الشعوب المختلفة والمتعددة تلتقي وتتوحد في مشروع الأمة الديمقراطية، ولهذا فإن هذا المشروع هو الأساس السليم لكل المجتمعات، كي تستطيع أن تتوحد في النظام الكونفدرالي الديمقراطي.
هذا التوجه بحد ذاته عامل معزز للسلام والديمقراطية في العالم، وفي الوقت نفسه خطوة اعتماد الأمة الديمقراطية كأساس في تحقيق كونفدرالية الشعوب الديمقراطية، لهي توجه مانع لظهور أي صراعات أو حروب كما هو حال يومنا الآن، حيث تتكبد الشعوب كل الخسائر وتتضرر منها المجتمعات. ويبقى تكثيف النضال والتعاون والإصرار الجماعي، خطوة رئيسة في تحقيق هذا التطلع والأساس في البناء، وهذا التوقيت هو الأنسب وهذه الظروف هي الأكثر حاجة لمشروع كهذا في يومنا الراهن لكل المجتمعات والشعوب في العالم .