من هم الانفصاليون في سوريا

فوزة اليوسف

هذه رسالة مفتوحة لكل من يقوم بين فترة و أخرى باتهام القوى السياسية في شمال و شمال-شرق سوريا بالانفصال و و محاولة التقسيم. في البداية كان الائتلاف السوري يعزف على هذا الوتر ،و بعدها تركية، و من ثم بين فترة و اخرى تقوم كل من روسيا و النظام السوري بتوجيه هذه التهمة كلما أرادوا ان يحركوا مشاعر اردوغان المضادة للشعب الكردي.
كل هؤلاء يعلمون أكثر من غيرهم بأن الامر هو العكس تماما ، لذلك أريد ان ألقي الضوء هنا على هذه الحقيقة لأولئك الذين عمت قلوبهم و ضاقت عقولهم بحيث لا يسمعون و لا يفقهون الا وفق ما تمليه عليهم مصالحهم وألاعيبهم.
ثبُت تاريخيا بأن القوى التي تتكل على الخارج و لا تمتلك قوة ذاتية ،سواء قوة مادية أو فكرية ، تجد نفسها مكرهة لأن تستسلم للأجندات الخارجية بيما فيها تلك الاجندات التي تتضمن سياسات التقسيم، و هذا ما نجده في تجربة الائتلاف السوري الذي لم يتوان مناصروه عن رفع شعارات تنادي بضم مناطق سورية إلى تركيا و تحولت فصائله العسكرية إلى دمىً بيد الجيش التركي يوجههم كيفما يريد بما في ذلك زجهم في معارك لاحتلال مناطق من سوريا. فهؤلاء، بسبب افتقارهم الى بنية فكرية سليمة و اعتمادهم الاعمى على القوى الخارجية انتهوا إلى واقع لا حول لهم فيه و لا قوة.
فنهبهم و اغتصابهم لعفرين و تعذيبهم لأهلها يعبر عن مدى انسلاخهم عن القيم الديمقراطية و الانسانية و يعبر أيضا عن مدى عقم استراتيجيتهم ، ذلك ان من يريد وحدة الأراضي السورية لا يتعامل مع جزء من الشعب السوري بهذا الشكل، فهذا الشكل من التعامل لا يتم انتهاجه إلا ضد عدو.
على المقلب الآخر، لنلق نظرة على وضع مناطق الشمال السوري ، هل هناك في كل شمال سوريا وضعا يشبه ما هو عليه الوضع في عفرين و خاصة في تلك المناطق التري حررت من داعش ؟ قطعا لا ، فكل مكونات الشمال السوري تعيش معا في وئام، فالقامشلي مثلا تضم جميع المكونات ، كردا و عربا و سريانا و أشوريين ، و لن تجد فيها مكونا يتعدى على حقوق مكون آخر و هذا الواقع نابع من الفلسفة العتمدة في أن القامشلي لكل سكانها مثلما يجب أن تكون سوريا لكل السوريين . يتم هنا تقديم نموذج للوحدة بين كل المكونات بصرف النظر عن هوية المكون الاثنية او الدينية أو الطائفية، فهذا النموذج المصغر يفتح الطريق نحو آفاق جديدة لسوريا المستقبل.
اثبتت سنوات الازمة السبع أن القوة الموجودة في شمال و شمال شرق سوريا هي القوة الوحيدة التي اعتمدت على ذاتها و دافعت وذادت عن كل المكونات الموجودة هنا دون تفريق، فلغاية عام 2014 كانت هذه القوة تقف وحيدة دون أي دعم من اي جهة دولية او اقليمية و هي القوة الوحيدة التي لم تستجلب قوة اجنبية الى سوريا كما فعل كل من النظام و قوى الائتلاف . فالنظام جاء بروسيا و فتح لها المجال لتشكيل قواعد عسكرية و نفس الشيء مع إيران ، و الائتلاف جاء بتركيا و ساعدها باحتلال مناطق من سوريا ، كل ذلك بشكل طوعي و دون اي اعتراض ، في حين انه و منذ البداية كان هناك التزام من قبل القوتين العسكرية و السياسية في شمال و شمال شرق سورية بمبادئ الثورة السورية و الثوار الذين قدموا اغلى ما لديهم من أجل سوريا ديمقراطية ، تسودها الحريات ، سوريا لا تفرق بين هويات مكوناتها و يحترم فيها الانسان ، و ذلك على الرغم من كل الضغوط التي مورست عليها للعمل وفق اهواء بعض القوى الدولية و وفقا لاجنداتها و التي عرضت أكثر من مرة تقديم المساعدة مقابل تقديم الولاء لها.
لذلك ليس من المبالغة القول أنه اذا كانت القوى السياسية و العسكرية في شمال قد تصرفت كما تصرفت القوى السياسية الاخرى في سوريا لكانت قد انقسمت سوريا أكثر من مرة .ولكن الوعي التاريخي لدى هذه القوى، و ايضا ايمانها بأنه الحرية مرتبطة بالاستقلالية و الاستقلالية تنبع من الوحدة الطوعية بين السوريين ، وبأن التقسيم والانفصال لن يخدما اي مكون، جعلتها تلعب دور الحامي للوحدة السورية ، و السيدان ،لافروف و مقداد، يعلمان ذلك جيدا و لكن يبدو ان لعبتهم مع تركية تملي عليهم الغمز من هذه القناة.
وهنا لعلي أسألكم، من هم الذين يهددون وحدة سوريا؟ من يقدمون المناطق السورية على طبق من ذهب للقوى الإقليمية و الدولية ، و يقتلون السوريين، أم من يقومون بتحرير المناطق السورية من داعش ومن تركية ومرتزقتهم و يحققون التعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوري؟؟.