نفاق النخبة السياسية في العراق علاقات بغداد وأربيل نموذجا

شيرزاد شيخاني

العلاقة بين السلطة الاتحادية وإقليم كردستان يحددها الدستور ، وهناك مواد واضحة وصريحة تحدد نوع العلاقة وتحصر الصلاحيات التنفيذية بينهما ، ولكن منذ صدور الدستور الذي صوت له العراقيون وبضمنهم الشعب الكردي ولحد اليوم تنتهك تلك المواد في عز النهار وأمام أنظار السلطتين الاتحادية والإقليمية بما فيها أنظار السيد رئيس الجمهورية راعي الدستور والمحكمة الاتحادية حامي الدستور دون أن يحرك أحد من هؤلاء ساكنا ، وهذا دليل على وجود نوع من التواطوء المقيت بين بعض السياسيين العراقيين تجاه تلك الانتهاكات الفظيعة .
الدستور في كل بلاد العالم المحترمة يعتبر هو الكتاب المقدس للدولة الذي لايمكن المساس به ، ولكن في العراق تحول الى أداة للمساومة وتحقيق مصالح حزبية وأحيانا شخصية بحتة ، وإلا فإن الانتهاكات التي حصلت وتحصل لنصوص ومباديء الدستور لايمكن السكوت عنها ، خصوصا وأن تلك الانتهاكات تكرس نوعا من الانقسام وتسهم بتفتيت أسس الدولة ، حين يلجأ البعض الى تفسير الدستور وفق هواه ومطامعه ، ويجعله مطية لتحقيق مصالحة الحزبية الضيقة.
من أهم التجاوزات على الدستور والتي حصلت خلال السنوات الماضية ، هو السماح لقيادة إقليم كردستان بالتصرف وكأنها دولة داخل الدولة ، حتى وصل الأمر الى إغراء تلك القيادات بخوض مغامرة الإستفتاء والسعي لإعلان الدولة المستقلة ، وهذا ما أدى الى تعميق الخلافات بين بغداد وأربيل ووصول الأمر الى حد فقدان الثقة تماما بين القوى التي تقود العملية السياسية في عراق اليوم . ولعل السبب الأساسي الذي أدى الى أن تتجرأ قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني لتحدي الدولة العراقية والمجتمع الدولي بخوض مغامرة الإستفتاء ، كان ضعف السلطة الاتحادية ، وسلوك القوى التي تقود تلك السلطة نوعا من النفاق السياسي عبر السكوت عن تجاوزات وإنتهاكات فظيعة للدستور والتي حدثت في السنوات الأخيرة ، وسنلخص بعض تلك التجاوزات لتوضيح الصورة أمام الجميع .
في بداية عام 2007 وقعت حكومة إقليم كردستان عشرات العقود النفطية مع شركات أجنبية بمعزل عن السلطة الاتحادية ، وكانت تلك العقود تعتبر تفريطا بالثروة النفطية التي عدها الدستور ملكا للشعب العراقي وحده ، ولكن سلطة البارزاني تصرفت بتلك الثروة وكأنها غنيمة أو ملكا متوارثا للعائلة البارزانية ، مع ذلك لم تتخذ السلطة الاتحادية أي موقف معارض تجاه توقيع تلك العقود ، حتى أنها إمتنعت عن اللجوء الى المحكمة الاتحادية لفصل هذا الأمر ، مع أن المحكمة الاتحادية معنية تماما بفض النزاعات بين السلطتين الاتحادية والإقليمية ، وحين أقول بأن هناك نوعا من التواطوء بين السلطتين في بغداد وأربيل ، فإن أكبر دليل على ذلك هو وقف إجراءات المحكمة الاتحادية مؤخرا بمساءلة وزير الموارد الطبيعية ( النفط) بإقليم كردستان حول مصير النفط المصدر من الإقليم .
وحين أعلنت سلطة إقليم كردستان أنها ستمضي بسياسة نفطية مستقلة عن بغداد وبدأت فعلا بتصدير النفط الكردي بمعزل عن وزارة النفط العراقية ، لم يصدر عن السلطة الاتحادية أي موقف واضح تجاه ذلك ، وإكتفت بإجراء إنتقامي بقطع ميزانية الإقليم في خطوة تهدف الى معاقبة الشعب الكردي وليس النخبة السياسية التي أقرت سياسة النفط المستقلة .
حين أقدم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني رئيس الإقليم على أغبى موقف سياسي من المعارضة البرلمانية بمنع رئيس البرلمان من حركة التغيير من دخول مدينة أربيل لممارسة مهامه الرسمية ، وقفت بغداد موقف المتفرج بل الشامت أحيانا من هذا الحدث الجلل ، ولم تصدر ولو بيانا واحدا لشجب وإستنكار هذه الفعلة الغريبة .
حين عقد حزب بارزاني العديد من الاتفاقات الأمنية مع الجانب التركي والتي سمحت بدخول الجيش التركي الى داخل الأراضي العراقية وقصف قراها ومدنها ، لم تنبس السلطة الاتحادية ببنت الشفة ، وإكتفت بإصدار بعض البيانات الهزيلة بدعوة الجيش التركي الى الانسحاب ووقف القصف الذي أدى الى مقتل العشرات من السكان المدنيين في المناطق الحدودية العراقية التركية.
حين يتوافد يوميا العديد من سفراء الدول المعتمدين في العراق على اقليم كردستان ويلتقون تحديدا أفرادا من العائلة البارزانية الحاكمة بكردستان ( مسعود بارزاني ونيجيرفان بارزاني ورئيس جهاز أمن الإقليم مسرور بارزاني ) لم يتحدث أي مسؤول بالدولة أو السلطة الاتحادية عن أسباب هذا التعامل غير المقبول دبلوماسيا من قبل السفراء مع إقليم يعتبر هو جزءا من العراق . ولم يتساءل مسؤول عراقي واحد عن أسباب ودواعي لقاء السفير الياباني او الصيني أو الايطالي برئيس جهاز أمن الإقليم ، وهل يجوز مثلا أن يذهب سفير دولة أجنبية للإجتماع مع مدير أمن السماوة أو الديوانية ؟ حتى في حال الحاجة الى أي نوع من المعلومات أو التنسيق يفترض أن يكون ذلك عبر وزارة الخارجية العراقية بإعتبار الهيئة الدبلوماسية المعتمدة في العراق مرتبطة بها، وليس زيارة مسؤولي الإقليم مباشرة والذين يوظفون مثل هذه اللقاءات لأحداث صخب إعلامي .
حين إستاثرت العائلة البارزانية وعبر شركة ( كار) بآبار نفط كركوك وصدرت ملايين البراميل من النفط منها الى الخارج وبأسعار زهيدة ، وفرضت سيطرتها المطلقة على محافظة كركوك التي تعد لحد اليوم جزءا من السلطة الاتحادية ، لم تتحرك السلطة الاتحادية لوقف هذا الانتهاك الصارخ لسيادتها ، وحين وقع الفأس في الرأس كما يقال ، سارعت تلك السلطة بارسال قوات الحشد الشعبي لإستعادة السيطرة على المحافظة بالقوة الغاشمة وبقتل المواطنين الكرد العراقيين .
منذ سنوات عديدة أقامت حكومة الإقليم ممثلية ( سفارة) لها بالعاصمة العراقية بغداد ، تتولى إدارة العلاقة والتنسيق بينها وبين الحكومة الاتحادية، ولكن بالمقابل لم تتقدم السلطة الاتحادية بخطوة مماثلة ، وتبادر بفتح ممثلية لها في محافظات الاقليم لكي تتيح الفرصة أمام المواطنين الكرد للتواصل مع الحكومة الاتحادية وأيصال صوتهم لحكومة المركز.
كل هذه الأمور حدثت في ظل ضعف وغياب السلطة الاتحادية ، وهي التي شجعت سلطات الإقليم للتخطيط بفصل كردستان عن الدولة العراقية ، وزرعت بالتالي أحقادا وكراهية لدى الشعب الكردي تجاه السلطة الاتحادية والعراق عموما ، فهل سيستيقظ السادة من النخبة السياسية العراقية من غفلتهم ويعيدوا اللحمة الى الوحدة العراقية وينقذوا شعب إقليم كردستان من سطوة واستبداد السلطة الحاكمة ، ويعيدوا كذلك الهيبة المفقودة لدستور العراق ؟..هذا هو السؤال الكبير.