الزرع والطير وماء البصرة الأجاج

عبدالزهرة زكي

كان في ضيافة العائلة قبل أيام صديق عزيز من الأقرباء في البصرة، والضيف البصري عادةً ما يكون أكرم من مضيّفه، تمر البصرة وسمكها (الصبور) ما زالا في ثلاجة المنزل، لم ينفدا بعد.
أثناء وجود الضيف كنت أحرص على سماع أخبار مدينتي من شخص أثق بدقة تقديره للأمور، والماء والكهرباء في مقدمتها.
بعد طفولتي الستينية في البصرة عدت إليها أواخر السبعينيات وقضيت فيها سنوات جامعية، كانت البصرة خلالها تعاني كثيراً من مائها، وكان حرّها ورطوبة جوها لا تنفع معهما أية كهرباء قياساً بالمتاح آنذاك من أجهزة تهوية متخلفة، هي المتاح لمتوسطي الدخل، وبانعدام مثل تلك الأجهزة أو محدوديتها بالنسبة للسواد الأعظم من البصريين الفقراء. لكن ضيفي كان هذه المرة يشكو ما لم أتوقعه من مشكلة مع المياه في هذه المدينة التي كانت قديما مدينة أنهار وجداول ونُهيرات، أذكر أن حيّاً فيها كان يسمى (نهير الليل)، مصغّر نهر، وهو بعض من التسميات اللطيفة الكثيرة في مدن وأرياف البصرة.
كان يتحدث لي بمرارة عن معاناة الزرع مع ملوحة المياه، " لقد بلغنا حالاً ما عاد فيه الزرع يتحمل، الزرع ما عاد يطيق ملوحة الماء".
وحين سألت الضيف عن حلول المزارعين، كان يؤكد لي ما لم يرد في الخاطر:" إنهم يشترون مياه الـ RO لسقي المزروعات".
ولمن لا يعرف هذه المياه، فإنها مياه (منقاة ومصفاة) كانت تباع بالبصرة قبل عقود بعد فشل السلطات السابقة في إيجاد حل يؤمّن مياه شرب للبصريين. ومع السلطات الحالية بتنا حتى نحن في بغداد نشتري مياه الـ RO ولا ندري فعلاً ما إذا كانت منقاة أم لا.
لكن أن يصل الحال إلى أن يضطر المزارع إلى شراء ماء صالح لري المزروعات لا البشر وحدهم فهذا فوق ما يطاق.
إلى أي مدى يستطيع مزارع فقير تأمين هذا الحل باهظ الثمن؟ وهل هذا حل؟
جاء ببالي أن أسأل ضيفي عن حال مزارع الطماطة في الزبير، فطمأنني إلى أن الحال يختلف حيث اعتمد المزارعون هناك على مياه الآبار. هل يضطر المزارعون الآخرون إلى اعتماد الآبار، إن كانت ممكنة ومفيدة؟
الأحد الماضي كنت أفكر أن أتصل بصديقي الشاعر الفلاح البصري طالب عبدالعزيز لأستفسر منه، لكنه كان أسرع مني حين فاجأنا بمنشور يؤكد فيه ما قاله ضيفي ويضيف عليه معاناة الطير من ذلك وموت العصافير جراءه. تذكرت ما يُروى عن أن أحد الخلفاء المسلمين كان قد أمر بنثر حبوب الحنطة على أعالي الجبال، وكان يقول:" لا أريد أن يقال جاع طائر في بلاد المسلمين". الآن يموت الطير ظمآنا في واحد من بلاد المسلمين. لقد تجرعنا الماء علقماً، أعينونا بإنقاذ الطير والزرع من ماء أجاج.