تسويات وتسميات

فتح الله حسيني

عبثاً، باتت تطرح مسائل فضفاضة من شأنها رفع وتيرة التصعيد وتأجيج السخونة في مناطق كانت باردة إلى حد ما في سوريا، وأولها وآخرها "درعا"، التي كانت بداية شرارة "الثورة" وها هي تشهد آخر أنفاسها "الثورية" لتطمس آخر معالم ما سميت بالثورة هناك، دون باصات ولا تغيير في السلطة ولا ما يحزنون.
الفراغ الذي شهدته بعض المناطق من تسيير وتأمين ظروف الحياة واتكال البعض، بقصد ودراسة، من تلك المناطق على ما سميت بالمعارضة العربية الإسلامية السورية، أججت نيران الحقد والكراهية أكثر في صفوف السوريين، من جهة تأجيجها من جانب النظام أولاً ومن ثم من جهة ما سميت بالمعارضة الإسلامية ثانياً، وخاصة بعد فضل الرهان السني الديني في كل من تونس ومصر وفشل الإسلاميين من تسييد السلطة وانهيار النظام البنيوي العقائدي الإسلامي الصرف، وربما يوماً ما تستفحل في أنقرة أيضاً لأن رهاناتها باتت أكثر فظاظة وأكثر خطراً على عموم المنطقة، بل والعالم أجمع.
تسويات كثيرة، تم طرحها وفشلت، مؤتمرات مؤجلة وعاجلة وكلها فشلت، اقصاءات كثيرة ومجاميع وفصائل مختلفة لا أحد يعرف أصلها وفصلها أو كما "لا أحد يعرف قرعة أبوها من وين"، وكلها فشلت، وظلت التسويات تراوح مكانها.
سيناريوهات كثيرة أيضاً رسمت وطرحت، روسياً، أمريكياً، تركياً، إيرانياً، خليجياً، سلطوياً، كلها تتأرجح لأنها لا تستحصل الحد الأدنى من الإجماع لإيجاد الحل السلمي الأكثر نفعاً في واقع خراب وبلد شبه مدمر، حدوده مفتوحة على مصراعيها أمام الإرهابي والوطني والقومي والمرتزق معاً.
مواقف مجرحة ومواقف مشرفة، نقيضان طبعاً، ولكن يجتمعان في سوريا اليوم، مناطق ساخنة أهلك أهلها لاعتمادهم على مصالح وخطط دول إقليمية لا تريد الخير للسوريين، ومواقف مشرفة سجلها الكرد في جغرافياه، بأنهم انتشلوا ما تبقى من أمان ومضوا نحو مشاريع أخرى ومشارف تؤدي إلى الهدوء دون الحروب والمعارك المفتعلة.
بين الفوضى والالتزام حدود فاصلة، وخرائط جديدة غير مقنعة، تغييرات بالمفرق وقتلى بالجملة، جراء التدخل الإقليمي غير المسؤول وغير الأخلاقي في الشأن العام السوري، وخاصة هنا أشير إلى دور تركيا الخطر جداً في رعاية الإرهاب وتمويله وتدريبه، لتكون الدولة المعمقة للأزمة السورية منذ بدايتها وإلى الراهن، مما حدا بثوريي 2011 إلى أن يكونوا قومجيي الراهن نظراً لمحاربتهم الكرد بمناسبة ودون مناسبة، في إرضاء واضح وفاضح لراعية الفكر المتطرف تركيا.
أرادت تركيا أن يكون الكرد فلسطيني العام 48 ولكنها فشلت، وأرادت للكرد أن يكونوا كفلسطيني مخيم اليرموك وفشلت، وأرادتنا مركونين في ميخمات الأردن ولبنان ومدنها الكثيرة ولكنا فشلت، فربت الإرهاب، وهاجمت بكل قوتها لإنهاء ما تبقى من الكرامة السورية وخاصة الكرامة الكردية ولكنها أيضاً فشلت، رغم الخراب والاحتلال الذي نجح فيه مؤقتاً في مقاطعة عفرين الكردية.
هل سيكون الكرد في المستقبل القريب قالبي المعادلة ونقطة ارتكاز المعادلات المتقلبة في سوريا، بعد أن أسمت الـ "إيكونوميست" البريطانيّة، السوريين بالـ "فلسطينيّين جدد"، فهم، عندها، سيكونون شياطين المنطقة ممن يدفعهم الظلم ونقص العدالة، إلى العنف والسلاح والفوضى.
ربّما، أكيد وربما لا، الأكيد، أن الوقائع تتغير بسرعة والأحداث باتت متسارعة بسرعة لافتة، والمواقف تتغير على الأرض بين لحظة ولحظة، ولم يتوصل أي مكون أو شعب إلى تسوية بغض النظر عن جدية التسوية أو هزليتها، ولكن ما نعرفه أنه على السوريين الاعتماد على الداخل لا الخارج، الداخل الذي يريد الخير لنفسه ولشعوبه ومكوناته، لا الخارج الذي يعمق الأزمة ويخرب ويدمر ويشتت وينظر إلى المشهد بسخرية أكثر.