بوتسدام جديدة في هلسنكي. وفي الطبقة: الطبخة السوريّة الأهم

سيهانوك ديبو

ليس فقط ؛ هيئة الأمم المتحدة يجب أن ينالها التغيير. إنما مجلس الأمن أيضاً والذي يطرح نفسه كهيئة قيادية للعالم كله، وفي آحايين كثيرة يخال الفرد الذي يسكن من على الكرة الأرضية هذه؛ بأن لها حزب هو حزب العالم الكبير؛ ليتم تسييره ضمن هذه المنظومة القيادية –مجلس الأمن- التي بات ينالها الكثير من العطب والخلخلة؛ فضرورة تغييرها بات بالواجب، وهذا الشيء ينطبق إلى درجة كبيرة على جمعية الأمم المتحدة كجهة غير تنفيذية وقرارات غير ملزمة، فأقرب أن تكون جمعية العالم التشريعية. بالرغم من ذلك فإنه لن يخرج من هلسنكي المنعقد في 16 الشهر الجاري قراراً يفضي إلى تبني حلِّ منظمة الأمم المتحدة؛ بما يماثله في الذي حصل من قمة طهران المنتهية في 1 ديسمبر كانون الأول 1943 بين قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية؛ ممثَّلَة بروزفلت وستالين وتشرشل، والتي كانت أحد أهم بنودها تبني حل منظمة عصبة الأمم. المتحوِّلة فيما بعد إلى هيئة الأمم المعهودة حالياً. إضافة إلى قرارات اتخذت حينها بما تفيد مرحلية الميدان وفتح جبهة ثالثة ضد النازية التي وصلت وقتها إلى أعلى درجة للتمدد. سوى أنه يمكن وصف قمة هلسنكي بين أهم قطبي المرحلة الباردة في الألفية الجديدة ممثلاً بدونالد ترامب وفلاديمير بوتين؛ رئيسين لدولتين عازمان أن لا تغيب الشمس عن أية منطقة في العالم وتكون تحت تأثيرهما. فهذه القمة يمكن أن تكون يالطا وبوتسدام سويّاً. توزيع مناطق النفوذ وإطلاق صريح لقواعد الحرب الباردة.
في التاريخ نفسه من الزمان نفسه؛ قبل ثلاث وسبعين عام؛ في 17 يوليو تموز 1945 بدأ أعمال مؤتمر بوتسدام الألمانية على أساس تلخيص نتائج الحرب العالمية الثانية التي لم تكن آنذاك قد انتهت رسمياً. فاليابان كأهم حليف لألمانية النازية ظلّت مستمرة في الحرب ضد الحلفاء. ولم تكن قنابل النووي الأمريكية في هيروشيما ونغازاكي؛ لاحق بوتسدام؛ كنهاية للحرب أو في وضع أوزار الحرب الكونية الثانية بقدر ما كانت رسالة ثنائية/ أمريكية بريطانية إلى حليفهما/ شريكهما اللدود الاتحاد السوفياتي السابق؛ بمفاد أننا في أوج شراكتنا قد امتلكنا الذخيرة النووية مما يعني أننا متقدمين عليك؛ فاستكن أيها الدب. ومن حينها بدأت بداية الحرب الباردة بشكل موصول متسلسلٍ إلى ما سميّ بحرب النجوم لاحقاً.
أمّا على طاولة هلسنكي فتوجد ملفات متعددة متشابكة ممزوجة مع بعضها البعض لحد التعقيد: القرم وأكرانيا. مع إيران كإيران وإيران في سوريا والمنطقة. مع (صفقة القرن) وحلّ نهائي للقضية الفلسطينية مقابل أن تكون القدس عاصمة إسرائيل وحدها. مع الملف السوري الذي جمع تصورات الحلول لهذه القضايا كلها بالجملة وبالمفرّق إزاء التعقيد والاشتباك الدولي على الجغرافية السورية، وقد باتت سوريا بحد ذاتها طاولة صرفة لإنتاج زوايا المواجهة المحتملة في خطوط الفصل الممكنة ضمن أجندات الوصل المرجّحة. فالذي يجري في سوريا ليس سوى الحرب العالمية الثالثة؛ لكن؛ بمزيد من السيطرة فمزيد من التحكم كي لا ينفلت الرصاص إلى خارج الميدان السوري. جدير ذكره هنا بأن الملف التركي مؤجّل حتى هذه اللحظة، وبقاء أردوغان كسلطان أو اختياره رئيساً بكامل الصلاحية لتركيا يجب أن يُفهم من ذلك بأنه وعلاوة على التزوير والترهيب وغيرهما من وسائط القمع الممارس بحق الشعوب في تركيا فإن بقائه جاء بمزاج دولي واتفاق أو بالأحرى بأمر من النظام العالمي المهيمن الذي نصَّب أردوغان رئيساً على تركيا؛ رئيساً بالرغم من عشرات الدامغة على تورطه وتنظيم القاعدة وتغذيته أو نسبة صناعته الكبيرة في ظهور داعش وبأدلة دامغة في الالتفاف على القرارات الدولية المتعلقة بالعقوبات الإيرانية، واليوم في ارتكابه جرائم حرب مختلفة في الحرب السورية بناء على تصنيفاتها المذكورة في وثائق الأمم المتحدة؛ إضافة إلى احتلاله مناطق من سوريا كما في مثال عفرين. طبعاً إلى جانب الوضع الاقتصادي المتردي في تركيا وانهاء كامل لأدنى معطى للحياة السياسية في تركيا. إبقاء أردوغان يأتي في سياق ما يسمى بتسمين العجول حتى موعد ذبحها.
أما ما يُطرَح في هلسنكي؛ سوريّاً. فإن المتوقع له أن يدور حول ما يلي:
1- إقفال درب طهران لأطول مدة ممكنة؛ الدرب الذي يبدأ من طهران فبغداد؛ دمشق؛ بيروت؛ فالبحر الأبيض المتوسط إلى أوربا. وأن يبقى في أحسن أحواله طريقاً ترابياً غير معد للسير الاقتصادي؛ ربما للمسير الديني فقط وبشكل بطيء متباطئ. لا يهم بالأساس لمن يجتمع في هلسنكي ومن قبله في بروكسل وما بعدها في بريطانيا من هو الشيعي وأيّهمُ السني، فلا يهمهم بالأساس من هو الكردي وأيّهم العربي وغيرهما. نذكر هنا نعت بوتين للكرد بالشعب الشجاع في نهاية العام 2017 أثناء مؤتمر صحفي ليتم العدوان التركي ومرتزقته على عفرين في أقل من شهر على ذلك النعت. وتوصيف ترامب الحديث للكرد بأنهم حلفاء أذكياء ومقاتلين أشداء؛ من المفترض لنا ككرد أن ننتبه أكثر إلى الأفعال لا إلى الأوصاف وحدها. فإننا وغيرنا نعيش في حرب عالمية ثالثة. ونعيش على طول الخط وأناس يؤمنون بأن الدول مصالح فقط. وأن الحروب منذ انتقال الإنسان من المجتمع الطبيعي إلى الوضعي بهدف اقتصادي محض.
2- في سوريا محرقة للكباش. وروسيا من سوريا أكثر من استفادت بالأوراق وخلطتها. إنْ كانت إيرانية أو تركيا أو غيرهما. يمكن القول بأن موسكو عادت إلى واجهة الأٌقوياء من خلالهما وفي الجغرافية السورية. وإنْ كانت قمة موسكو الرياضية تفضي إلى وجود حتمي لأحد الفائزين في مونديالها إما كرواتيا الصاعدة أو فرنسا الخبيرة. فإنه لن ينجم عن قمة هلسنكي منتصر واحد ومهزوم واحد. إنما يوجد أكثر من طرف مهزوم بوجود (رِفْقة) منتصرة؛ في مقدمتهما: واشنطن وموسكو. وإيران تبقى في إيران وفي سوريا وفق شروط اسرائيلية.
3- كما في قمة بوتسدام التي أفضت إلى رسم خرائط جديدة في العالم؛ كبرت خرائط وصغرت أخراها واختفت بعضها من الجغرافية؛ في مثال رسم خارطة جديدة لألمانيا واقتسام ألمانيا المتبقية ضمن أربع مناطق بهدف نشر الديمقراطية واجتثاث الفكر النازي وتحييدها عسكرياً.
فإن في قمة هلسنكي من المتوقع أن ينطبق ذلك على سوريا أيضاً. تحييد السلاح السوري الكيماوي. اجتثاث فكر داعش الإرهابي. تكريس (الوجودات) على ضفتي الفرات الغربي والشرقي حتى ترسيخ حل نهائي للأزمة السورية؛ وأمور أخرى ذات صلة وتفضي إلى ما تم ذكره. ربما يتم تطويب المنطقة من جرابلس إلى اعزاز بملكية تركيا بمساحة لا تقل عن 1500 كم2. 100كم طولاً * 15 كم عمقاً؛ حتى يتم الالتفات الخاص إلى تركيا. أما مقاومة عفرين التي تدخل مرحلتها الثانية فإنها وحدها الكفيلة بعودتها كما في مشهد 19 يناير كانون الثاني العام الحالي أي اليوم الذي سبق العدوان التركي على عفرين، أمّا إدلب فملف لحاله ويحتاج إلى قمة بوحدها. بخاصة أن أغلب إرهابيي العالم والجماعات المتطرفة موجودة اليوم في إدلب؛ مبتلياً بها شعب إدلب قبل شعب سوريا وشعوب المنطقة. سيّما أن ظروف ووسائل حشر هؤلاء في تلك الزاوية المتاخمة لجبل الزاوية كانت بحد ذاتها صفقة وصفقات سميّت بمسميات متعددة كما في خفض التصعيد والمصالحات وخفض التوتر وتوزيع المساعدات الإنسانية؛ أغلبها جرت في جدول الكارثة الرسمية السورية المسمى بالآستانا (1 حتى 9). أما آستانا 10 المزمع عقده في أول الشهر القادم فلن يكن سوى بمثابة إخطار (الضامنين) الآخرين أنقرة وطهران بالذي جرى في هلسنكي.
4- الكرد في سوريا أذكياء؛ ليس لأن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية قال ذلك، وليس لأن رئيس روسيا الاتحادية قال ذلك من قبله أيضاً. بالرغم من أن ما بدر منهما هو القول الإيجابي الذي ينتظر بشكل أقوى أفعالاً تغادر حيّز الكلمة المحضة. لكن ذكاء الكرد يتمثّل في أنهم خالفوا ما هو المعهود هذه الأيام في هذا الزمن من هذه الجغرافيات المتبعثرة في الشرق الأوسط. فالكرد الموجودين في الإدارة الذاتية الديمقراطية بقيادة كورد الأمة الديمقراطية لم يفتنوا بسحر الدولة القومية، وخوذَهم الفكرية المصنوعة من فلسفة الأمة الديمقراطية ردّت سموم الشحن القومي والخطاب الشعوبي في الوقت نفسه؛ لا بل كشفت الأقنعة عن وجوه الكثيرين من أمثال (الأكراد) اليتامى في الائتلاف الاخواني المدعومين من مركز القومية البدائية أو ما يودون طرحه عن أنفسهم بأنهم أصحاب (النهج القومي). كرد الإدارة الذاتية الديمقراطية منذ بدايتها ومن خلال الخط الثالث شدّوا على يد العربي والسرياني والتركماني والأرمني وغيرهم من التكوينات المجتمعية السورية إنْ في روج آفا وشمال وشرق سوريا أو على عموم المستوى السوري. منذ بداية تأسيس هذه الإدارة وفي أوج انتصاراتهم على الإرهاب الداعشي النصراوي رأوا بأن قوتهم تكمن في وجودهم سويّاً. لم يلتفتوا إلى الحجم الكبير من التضليل والتشويه المسيّرين نحوهم. كانوا ولا يزالوا يسمون من قبل أصحاب (النهج القومي) بأنهم باعوا القضية الكردية وفي اللحظة نفسها من قبل (معارضة) الإخوان بأنهم انفصاليين انقساميون. لا يمكن لأحد أن يقفز فوق هذه الكتلة التاريخية سواء طلبوا السلام أو سألوا الحرب. وحينما تحدث القمة السورية؛ قمة الصلح السوري؛ العملية التفاوضية السورية؛ لنجد بأن الإدارة الذاتية والقوى الديمقراطية السورية من طرف وسلطة دمشق من طرف آخر من ينفذون وينجزون هذه المهمة/ التسوية/ الصلح السوري؛ لكن وفق الأصول التي تضمن وحدة سوريا وسيادتها وتحقيق النظام اللامركزي الديمقراطي.
قمة الطبقة
في الطبقة السورية ينعقد مؤتمر مجلس سوريا الديمقراطية الثالث الاعتيادي بتاريخ 16 يوليو تموز الحالي. يأتي بشكل متزامن وقمة هلسنكي. لا مخطط لهذا التزامن؛ ولا صدفة في ذلك؛ إنما حركية التاريخ من تفرض نفسها. أذكر هنا بأن تأسيس مجلس سوريا الديمقراطية قد زامن مؤتمر الرياض كمقرر مهم من مقررات فيينا أكتوبر تشرين الأول 2015؛ لم نُدع إليه أيضاً لسببين: الفيتو التركي، ولأن الأخوة في الرياض قد نظروا إلى سوريا وقتها وفق عيون (المعارضة) السورية. عتب ونقد إلى الأخوة في الرياض في الوقت نفسه. وإذا ما أصر المجتمع الدولي على القرار 2254 فإن مؤتمراً جديداً يتوقع حدوثه في الرياض ومن المرجح أن تكون مجلس سوريا الديمقراطية بالموجودة منْ على رأس الطاولة؛ أقل ما يمكن قوله. كما أذكر بأن الإدارة الذاتية الديمقراطية تأسست في عشية انعقاد جنيف السوري الثاني. يسأل السوري عن مصير هذه الجنيف المنسيّة وما بعدها من جنيفات وعن مصير الإدارة الذاتية الديمقراطية.
في الطبقة السورية تكون الأجندة سوريّة سوريّة بدون وصاية. بخاصة لو أدركنا بأن لقاءً حوارياً يعقب المؤتمر لمدة يومين تحت شعار نحو حل الأزمة السورية وتحقيق النظام الديمقراطي اللا مركزي. في مؤتمر الطبقة ومن خلال اللقاء الحواري يمكن القول بأن مفاوضة فعلية أوليّة تقوم. وأن مجلس سوريا الديمقراطية لا بد من تعديل في وسائله وتوسيعاً في تنظيمه؛ وأن لا يبقى في شمالي سوريا وشرقها؛ لا بل أن يكون في كل منطقة سوريّة. هذا المنتظر من قمة الطبقة السورية. وبمستطاع هذا المجلس الذي يعتبر المظلة السياسية للإدارات الذاتية الديمقراطية وللمجالس المدنية في منبج والرقة ودير الزور بالإضافة أنه مظلة قوات سوريا الديمقراطية، علاوة على أنه يحظى بدعم من بلدان عديدة ويناضل ليتقاسم رؤيته نحو الحل الديمقراطي العلماني في سوريا مع جميع البلدان الإقليمية والعربية والعالمية. فإن مؤتمر مسد الثالث يجب أن يحدث انعطاف في تاريخ هذا المجلس بما يحمل من رؤى وطنية ووسائل ديمقراطية تعيد مكانة سوريا ودورها الإقليمي والعالمي الذي ضيّعه الاستبداد وبعثره الإرهاب والاحتلال التركي لبعض من مناطقه.
أتمنى أن تنتصر كرواتيا في قمة موسكو الرياضية/ مونديال كأس العالم فقط لأنها قوة ناشئة تتغلب على قوة خبيرة عظيمة مثل فرنسا. ونتمنى أن تحمل قمة هلسنكي رؤى السلام والديمقراطية إلى سوريا. ونناضل كي يحظى مجلس سوريا الديمقراطية بدور فعال في كل سوريا وفي كل حاضرة منها.