أزمة البصرة.. أزمة العراق

عادل عبدالمهدي

يفرز الحراك البصراوي -والذي سقط خلاله شهداء وجرحى، وانتشاره لعدد من المحافظات- عدة قوى.. تختلف ادوارها السلبية او الايجابية، دون ان يعني الترتيب ادناه، اعطاء اولوية محددة.
1- القوى السياسية والاحزاب، وقوى الانتخابات الفائزة والخاسرة، والتي تعبيء الجماهير بالخطاب والمطالبات والانتقادات، لكنها تسعى لتحسين مواقعها في بناءات الدولة المحلية والعامة.. فكل طرف يستثمر الازمة لتحميل المسؤولية لغيره في لعبة السياسة ومفاتيح القوة والنفوذ في المجتمع والدولة.
2- القوى العشائرية التي هي شكل قديم/جديد من قوى النفوذ والضغط، واحتلال المساحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والامنية.
3- القوى الشبابية الغاضبة بوعي (اقلية) او بانفعالات (اغلبية)، والمستعدة دائماً ان تقدم دمها، لتحصل عموماً على القليل من مطالبها وحقوقها.
4- المنابر الدينية والمدنية والاعلامية، الواعية لكن الهادئة والبطيئة، وغير الواعية الكثيرة التهييج والاثارة.
5- الحكومات الاتحادية والمحلية، وما تمثله من مصالح وقدرات داخل الدولة والمجتمع، ومسؤولياتها في تردي الخدمات.
6- قوى الدولة بملاكاتها المسلحة والمدنية، وما للجميع من ارتباطات وتوجهات داخل الدولة وخارجها.
7- المواطنون الذين هم الرصيد الاحتياط، يحركون القوى وتحركهم القوى.
8- القوى المعادية للوضع، والتي عموماً تخترق وتستغل الاحداث اكثر من صناعتها.
9- الشركات النفطية الاجنبية، والمصالح الاجنبية والمحلية التي تقف وراءها، وسياساتها وقرارتها وخططها الظاهرة والباطنة وما تضيفه من تعقيدات وحلول للازمة.
10- الاجندات الاقليمية والدولية.
ومن متابعة ودراسة، خصائص القوى، ونظراتها ورؤاها السياسية والاقتصادية والفكرية، نصل لاستنتاج ان الاحداث ليست ثورة كما يسميها البعض، ولا حركة اصلاح كما يريد اخرون.. بل هي تدافعات لقوى لم تنتظم بعد لتعريف ما تريد وما ترفض، ولم تجد مستقراتها المعبرة فعلاً عن مصالحها القريبة والبعيدة.. انها تدافعات غريزية للحصول على حقوق جديدة مشروعة وغير مشروعة، ولاعادة تقاسم الثروة الوطنية، ومواقع القدرة والسلطة في الدولة والمجتمع.
عدا ما يمكن ان يحصل من القوى الاخيرة (9-10)، وهذا له حديث اخر، ستمر ازمة البصرة على الاغلب، كما مرت ازمات كثيرة سابقة. اما لتحسن الجو، او لامتصاص الغضب مقابل تعينات وترضيات وترقيعات، لتعود وتتكرر في فترات اخرى. فالقوى المتدافعة ليست قوى نافية لبعضها في العمق.. فجميعها قوى سلطة او سلطات، لكن بعضها متنفذ، وبعضها يريد تعزيز تنفذه فيستثمر الاحداث في مساعيه. فالكل يقف في دائرة واحدة، اي "نظام 2003"، وإن انكروه او تراموا بينهم بالحجارة او بالرصاص. فنحن امام نموذج سنسميه بـ"التطور المضطرب" Caothic development، وهو ليس جديد ولا فريد لبلد، وإن كان باشكال متعددة واسماء مختلفة. وهو نموذج يشهد تطورات مهمة وكبيرة، ايجابية وسلبية، لن يراها على حقيقتها وأبعادها، من يبقى بحدود الاحداث اليومية والهموم الحياتية. وهذه حالة، لها انهياراتها لندفع جميعاً الثمن –كما بانهيار الموصل- لتعيد تنظيمنا مجدداً باوزان جديدة، ولتجدد نفسها بشكل اخر.. او انها ستستمر الى ان تجد الامور في النهاية مستقراتها، وتصل القوى تدريجياً عبر النجاح والفشل، والتفاؤل والاحباط، والجهل والمعرفة الى تعريف حقيقي ومسؤول لمصالحها القريبة والبعيدة، وتعريف كل طرف لحدوده وافاقه. وهكذا ستستمر هذه القوى لتحسين اوضاعها في التوزيع النهائي للثروة والقدرة السياسية والاجتماعية، سواء عبر موارد مالية، او مواقع حكومية، او ملاكات وظيفية، او تسهيلات وجاهية واجتماعية. فجميعنا، او جميع القوى تتحمل مسؤولية الكهرباء والماء والبطالة، لان نماذجها مضطربة، لا تسمح بالتراكم الواضح.. فهي تبني في مكان وتهدم في آخر. لكن جميع هذه القوى تريد تبرئة نفسها من المسؤوليات، لذلك تتبنى المظاهرات والاحتجاجات علناً وتستنكرها سراً.. او تشجعها ابتداءاً لتلقي المسؤولية على غيرها لاحقاً. فازمة البصرة ليست خاصة بالمحافظة، بل هي بلورة لازمة البلاد عامة.
سيقولون نريد حلولاً وليس كلاماً.. الحلول موجودة وليس امامها عقبات مادية او فنية.. امامها عقبات التصادم والعرقلة، وهو ما يتطلب انضباطاً ووعياً جمعياً، وهذه مسؤولية جماعية (للبحث صلة).