سوريا في مطبخ هلسنكي

محسن عوض الله

تتجه أنظار العالم في السادس عشر من الشهر الجاري إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي في انتظار النتائج التي ستخرج بها قمة الزعيمين ترامب / بوتين.
وتمثل القمة الأمريكية الروسية نقطة فاصلة في الكثير من قضايا الشرق الأوسط على رأسها الأزمة السورية التي دخلت عامها الثامن كأحد أعقد الصراعات الدولية.
وتأتي أهمية القمة بالنسبة لسوريا كونها جزءاً من صراع النفوذ بين واشنطن وموسكو حيث تنشر الأخيرة سلاحها الجوي لدعم قوات النظام في حين تقدّم الأولى مساعداتٍ عسكرية لبعض المعارضة.
وقبل أيام من القمة يبدو أن هناك شبه توافق بين الزعيمين على تجاوز فكرة رحيل النظام السوري وربما السماح باستكمال فترته الرئاسية حتى 2021 خاصة بعد تصريح مستشار ترامب جون بولتون قبل أيام أن بشار لا يمثل مشكلة استراتيجية لواشنطن.
ويدخل بوتين القمة بانتصار عسكري جديد في الجنوب السوري بعد أن نجحت القوات الروسية في توقيع اتفاق مع المعارضة بمدينة درعا مهد الثورة السورية يسمح بانتشار قوات النظام بالمدينة ورفع العلم السوري على معبر نصيب الحدودي مع الأردن مع قيام المعارضة بتسليم أسلحتها الثقيلة.
يدخل ترامب القمة مع بوتين ولا هم له سوى إقناع الزعيم الروسي بضرورة التعاون من أجل خروج إيران من سوريا، فالإدارة الأمريكية الحالية ليس لها هدفٌ في الشرق الأوسط سوى محاصرة إيران وتقزيم نفوذها في المنطقة وإثارة الأوضاع الداخلية فيها في محاولةٍ ربما تنجح لإسقاط نظام الملالي.
من جانبه لن يترك بوتين الفرصة وقد ينتزع من ترامب اعترافاً بسيادة روسيا على القرم مع وعودٍ بمشاركة واشنطن وأوروبا في إعادة إعمار سوريا بوجود الأسد.
بالتأكيد لن تكون إيران الخاسر الوحيد من قمة ترامب – بوتين، فتركيا ستتحمل جزءاً كبيراً أيضاً من نتائج اللقاء خاصة أن أنقرة تتولى إدارة شؤون المعارضة المسلحة والحديث باسمها والدفاع عن مصالحها، وهي المعارضة التي تسعي القمة للتخلص منها في ظل التوافق على بقاء النظام.
خسارة تركيا لن تكون على مستوى القضاء على حلفائها الإرهابيين فقط، بل على صعيد الدعم المتوقع من القمة لأكراد سوريا، فواشنطن لن تنسي لقوات سوريا الديمقراطية مشاركتها في مواجهة الإرهاب وطرد داعش من سوريا ولذا ستسعى جاهدة للمحافظة على بعض المكتسبات الكردية في شمال سوريا كالإدارة الذاتية واعتماد النظام الفيدرالي في الدستور الجديد الذي تتولى موسكو إدارة ملفه.
وقد ترعى روسيا بطلبٍ أمريكي ملف التقارب بين النظام والكرد بصورة تمنح الكرد حقوقهم الثقافية والسياسية في سوريا الجديدة.
التقارب الأمريكي الروسي سينهي المصالح التركية في سوريا، خاصة أنّ أنقرة لعبت دوماً على تناقض المصالح الدولية وصراع النفوذ بين واشنطن وموسكو لتحقيق مكاسبها، وباجتماع ترامب – بوتين ستسقط أنقرة من على السلم الذي طالما رقصت عليه.
ولا أستبعد أن يبدأ مسلسل الخسائر التركية في سوريا، وربّما تعود مدينة الزيتون عفرين لأحضان أبنائها الكرد وفق توافقٍ أمريكي روسي كما تم احتلالها بنفس التوافق.
ينتظر العالم قمة هلسنكي باعتبارها مطبخ إعداد حلولٍ لأزمات الشرق الأوسط، كما أنها فرصة تاريخية لموسكو لتحقيق المزيد من المكتسبات في ظل رغبة أمريكية لتقديم تنازلات من أجل مواجهة إيران.
تمتلك موسكو أوراق الضغط على تركيا وطردها من سوريا، ولكن المعركة الأشرس التي ستواجه الدب الروسي ستكون في مواجهة النفوذ الإيراني بسوريا.
ويبقى السؤال.. هل تمتلك موسكو فعلاً القدرة على طرد إيران من سوريا؟
الإجابة على هذا السؤال مرهونة بمدى تمسّك بوتين بنظام الأسد، خاصة أن فكرة طرد إيران من سوريا مع الإبقاء على بشار لا يجتمعان في ظل الروابط العقائدية والمذهبية بين نظام الملالي ودمشق، واعتبار الأخيرة جزءاً من امبراطورية إيران الفارسية في المنطقة.
كما أنّ ارتباط الأسد بطهران تاريخيٌّ ومذهبي يفوق بكثير ارتباطه بموسكو وهو ما قد يجعله يقف حجر عثرة بتعليماتٍ إيرانية أمام المخطط الروسي بصورة قد تدفع موسكو للتخلي عنه أو بمعنى أصح التخلص منه.
عموماً فلننتظر ماذا ستقدم لنا قمة هلسنكي.. فالعالم بعد 16 يوليو سيختلف كثيراً عما قبله.