دروب وعرة، معارك لا بد منها

فتح الله حسيني

استبياناً لكل ما مضى من صنوف المعارك الضارية المدماة، ولكل تلك المشاريع المتغيرة إيجاباً وفق التطورات الحاصلة، المتسارعة، بين المؤتمرات والكونفرانسات المنعقدة هناك في روجآفا وشمال سوريا، فإننا، ولا بد، حيال خصوصية تامة لجغرافيا خاصة صامدة اسمها روجآفا.
روجآفا، التسمية التي أطلقت على الجزء الغربي من كردستان، وظلت أسيرة الأقفاص والسجون والزنازين لعقود طويلة ولت، في ظل سياسات مجحفة ومشاريع عنصرية طبقت على جغرافيته الجميلة عنوة، وبلغة السجن والرصاص والتعذيب، لم تظل على سابق عهدها بعد أتون العام 2011 وبدء مرحلة جديدة من عمر البلد سوريا ككل لا جزء مجزأ.
دروب وعرة، طويلة، شاقة، سلكها الكرد بأحزابهم وفصائلهم ومدنييهم وعسكرييهم ومتطوعيهم، وكل ذي غيرة على الكرد وقوميته الكردية، إلى جانب شركاء أصلاء مناضلين من أجل الكرامة والحرية التي لا بديل عنهما بعد كل تلك المعارك، ومن أجل إنقاذ الجغرافيا المتوجة من خراب محتم.
استهدفت روجآفا وشمال سوريا، كجزء لا يتجزأ أيضاً، من لدن النظام التركي الأرعن، وجندرمته ومواليه ومؤيديه من الإرهابيين ومجهولي الهويات وهويات نعرفها أيضاً، تمام المعرفة، وظلت الأعين محدقة كلها على الخط الحدودي الفاصل بين شطري كردستان، أو بين كردستانتين، وبقي الكردي الأصيل مناضلاً، مكافحاً، وفياً لأرضه وعرضه وترابه وهوائه ودم شهدائه، وناضل واستشهد وعذب واستمات من أجل تتويج الحلم المتبقي للكردي فوق أرضه وتحت سمائه.
الأنظمة تزول، والشخوص المتسيدة على الأنظمة، وخاصة الإقليمية، تكون عادة مارقة، خاصة في ظل تكوين دكتاتوريات جديدة في المنطقة، وستظل الأرض المروية أرضاً صلبة ترتكز عليها مشاريع سياسية كثيرة، تحق حق الكرد وشركائه في السماء والخارطة ولو بعد حين.
إذا نظرنا ولو نظرة سريعة على الجغرافيا التي تهمنا بحنين وبقوة حنين، سنلحظ وبالتفصيل كيف أن الدولة تركياً، والنظام سورياً، واللامحبين إيرانياً، والمراقبين للألم روسياً وأمريكياً، باتوا كلهم في صراع سوي وغير سوي حول جغرافيانا، آخذين بالاعتبار أن المصالح كلها تلتقي حول خارطة باتت شبه مرسومة ومحسومة أيضاً اسمها روجآفا.
الكردي، هنا، رسم قدره دون أن يرسمه له، نظام، أو عصابة، أو ثلة مارقة، بل كانت إرادة شعب توجها الكردي في إدارته الذاتية، بعد أن التف غالبية الأحزاب السياسية الرصينة والفصائل المقاومة حول مشروع واحد سمي بالإدارة الذاتية في وقت عم الخراب مدن كانت ترتكز على أسس الطائفية والمذهبية.
الكرد الآن، يحتفظ بمقاطعاته الصامدة، وستظل بكل تأكيد كل الأعين مرتقبة على عفرين، المحتلة، إلى أن تلتحق، مرة أخرى عفرين، بركب المقاطعات الأخرى التي لم تهدأ لها بال حيال كل ذلك الحقد والكراهية والإرهاب الذي عم فضاء وهواء وسماء وأرض عفرين.
الكرد في معاركهم، ليس لهم إلا مقاتليهم الأبطال، والمقاتلون ليس لهم إلا سلاحهم، وللسلاح فوهات سترسم حدوداً جديدة شاء من شاء وأبى من أبى، بعد كل تلك التضحيات الجسام.