حين يكون المزاج برتقاليا

حمزة مصطفى

لا أعرف إن كان شعب آخر يستخدم مثلنا العبارة الشهيرة "مزاجك برتقالي". هذه العبارة نطلقها في العادة على الإنسان الرائق المزاج المرتاح, المتونس, المريش, المفرفش, المدنفش, "اللي زاهيتله الدنيا". وفي الوقت الذي لا أعرف فيه طبيعة الصلة بين المزاج والبرتقال أو في الأقل اللون البرتقالي وليس الاحمر العنابي مثلا أو الأسود "البيتنجاني" أو الأزرق "ورقي" على طريقة صديقي الحاج نعيم عبعوب في توصيفه لدبي, فإني لم أجد مقاربة تعطي نفس المدلول للمزاج والبرتقال في كتاب "الغصن الذهبي" لفريزر الذي إستعرض فيه كل ثقافات وتراث وميثولوجيا الشعوب ومدى ما فيها من تقارب حد التطابق أحيانا بين قرية في الرمادي أوالعمارة وأخرى في جنوب أفريقيا أو ماليزيا "طبعا قبل ماتصير نمر".
"طولت عليكم السالفة" لكنها حين تتعلق بالإنتخابات هذه المرة فإنها تستحق التطويل. لأنطلق من عنوان هذا المقال.. هل مزاج العراقي برتقالي؟ أكاد أجزم لا لكن نتيجته في جزء منها برتقالية. أما "ليش لا" فلأن طابع اليأس والتأييس هو الذي بدا إنه غالب على صعيد مقاطعة الإنتخابات والذي تجسد في المشاركة المتدنية (44% طبقا للمفوضية). وهنا بودي أن أجزم أيضا أن العراقي الذي قاطع لم يقاطع نتيجة دعوات المقاطعة التي تبناها بعض رجال الدين هنا وهناك, بل قاطع لأن "طخت برأسه" وهنا نعود لأشكالية المزاج الشعبي.
وهذه النقطة بالغة الدلالة ويجب التوقف عندها. فالعراقيون الذين يجرون رابع إنتخابات ديمقراطية برغم كل ملاحظاتنا عليها أدركوا أن لا سبيل للتغيير بعد اليوم الأ عبر صناديق الإقتراع. لذلك فإن المقاطعة هي تعبير عن إحتجاج. قد يكون في جانب منه سلبي بسبب الفشل والفساد والذي تعترف به الطبقة السياسية نفسها لا غيرها, لكنه من جانب آخر عبر عن متغير مهم في هذا المزاج وهو طريقة التعبير عن خياراته. وهنا أقصد الذين شاركوا في الإنتخابات حتى وإن كانوا أقلية بالقياس الى المقاطعين.
صحيح أنني أسف لبعض من النواب الأصدقاء الذين لم يحالفهم الحظ في الفوز وكانوا أهلا له لكن في الغالب الأعم أن طريقة إختيار الجمهور بدت مختلفة هذه المرة. فالجمهور لم يتأثر الى حد كبير, هذه المرة بخلاف المرات السابقة, بأي مؤثر عرقي, أو ديني, أو مذهبي. كما لم يتاثر بمن إشترى منه صوته أوفرش له "السبيس" أو اقام له وليمة غذائية. هناك شخصيات كثيرة كانت لها "شنة ورنة" في الإعلام وحتى العملية السياسية لكنها فشلت في الوصول الى قبة البرلمان هذه المرة. هذه الشخصيات التي كانت تصل خلال الدورات البرلمانية السابقة بسهولة الى البرلمان تتوقع إنها سوف تستمر في الوصول كل دورة الى البرلمان وكإنه "طابو"مسجل بإسمها. الامر أختلف هذه المرة وهذا تطور في وعي الناس وأدراكهم بكيفية إحداث التغيير الحقيقي. وبذلك فإن من شارك بالإنتخابات ناب من حيث إحداث التأثير عمن لم يشارك حين رأى النتائج مقاربة لتوقعاته الى حد كبير.