معنى الفساد في عقول أهل البلاد

د.سعد العبيدي

 أن يفبرك سياسي فيلماً اباحيا ينشره على الملأ في محاولة واضحة المعالم لتسقيط الآخر، لم يحسبه وأزلامه فساداً، ولم يهتز له ضمير الأهل تجاوزاً على العرض ويسقطون جل أصحابه.
أن يزيد مسؤول ثمن مقاولة لإنجاز مشروع أو شراء مُعْدّة تتضاعف بحدودها الكلفة، ليأخذ الفائض المتفق عليه، يسلمه الى الحزب، دعماً له، دون أن يحسبه فساد، بل وعلى العكس من هذا يَسْهلُ أن يعده شطارة أو رزقاً من الله يستحق ركعتي صلاة الشكر، يصليها بعد فروض خمسة أداها كاملة.
أن يزيل مسؤول من قائمة موظفي دائرته موظفين من ذوي الخبرة والكفاءة، يجد لإزالتهم أعذاراً، يقنع الأعلى بأعذاره كي يحل محلهم آخرون من عناصر حزبه أو من أبناء عشيرته أو ممن يسلم سكرتاريته مبالغ بالدولار حصراً لقاء التعيين، لا يحسب هذا تجاوزاً ولا هدماً للبنى التحتية الادارية، ولا يحسبه فساداً، وبدلاً من هذا يتفاخر في جلساته الخاصة أنه قد أدخل أشخاصا موالين مكان آخرين محسوبين على نظام بائد ولى أو على أحزاب غير حزبه عليها أن تولي.
أن يشيّع سياسي وزارة استوزر فيها أو يسننها، أو يكردها، يرفع من جدار إدارتها الصلب أحجاراً صلدة (موظفين أكفاء بخبرات متراكمة) تقيم عليها سقوف الدولة، يضع بدلاً عنهم موظفين جددا جهلاء(لِبْن لم يكتمل فخاره) فيتسبب في اقلال مستوى الكفاءة ويسهم في تدني الاداء، وتقليل الانتاج. لم يخطر في باله يوماً أن هذا فساد، بل يأخذ من عقله حججاً لا تعد ولا تحصى أقلها وخزاً للضمير، أن الغير يعمل هذا فلم لا أعمله أنا أيضاً انصافا للقوم أو دعماً للمذهب.
أن يكافح مُشَرِعْ، لسن قوانين يزيد فيها من عدد المتضررين من النظام السابق، بغية الحصول على تعويض رواتب ومكافآت لعوائل وأطفال وأحفاد ترهق ميزانية الدولة مليارات الدنانير دون وجه حق، لا يكتفي بعدم عدها فساداً، بل يهاجم من يفكر بعدها كذلك، لأنها من وجهة نظره والجماعة التي ينتمي اليها انجازاً لأهل الملّة.
أن تُمنح أراض سكنية للأقربين والموالين، ويغير جنس أراض زراعية الى سكنية، وتحول المساحات الخضراء الى مشاريع استثمارية لعلية القوم، وأن يتجاوز مواطن على أراضي واملاك الدولة ويستولي حزب على مخلفات الحزب البائد ويستغل مواطنون معسكرات الجيش، وأرصفة الشوارع ومحرمات الطرق والسكك الحديدية، ويزورون معاملة شهيد وسجين سياسي، ويشترون شهادة دكتوراه، و و و و ، جميعها حصلت وتحصل لا نعدها نحن أصحابها فساداً. الفساد من وجهة نظرنا، ذاك الفعل الذي لا نكون في صيرورته طرفاً، وليس لنا فيه نفع، وفساد بهذا الشكل لا ينتهي بقرار وان حسنت نوايا صاحب القرار بل بثورة ثقافية على الذات مازلنا بعيدين عن حصولها عشرات أخرى من السنين.