مسؤول بيتوتي

نوزاد حسن

 بمقتل عبد الكريم قاسم انتهت فترة رومانسية جميلة يمكن تسميتها بسعادة الرئيس العازب المشغول باكتشاف حدود دولته،والاطلاع على اوضاع الناس عن قرب.لذا استطيع القول لم يكن الزعيم قاسم رئيسا بيتوتيا لا يخرج من وزارته او بيته الا في مناسبة رسمية شكلية لا بد من التواجدفيها.
كان الزعيم مولعا بجولاته المسائية،ويروي زميله في ثورة تموز عبد الكريم فرحان ،انه طالما ذهب الى وزارة الدفاع فيضطر للانتظار حتى عودة الزعيم من تفقده لاحد احياء العاصمة.واحيانا كان الانتظار يطول لكن هذا السلوك الرئاسي لم يعد موجودا وانتهى زمنه.
  ربما لم يعرف قاسم انه كان يقوم بعمل اخلاقي كان غاندي يقوم به،وكذلك فعله نهرو بعد ذلك،ثم جاء الرئيس العالم زين العابدبن عبد الكلام ليكتشف الهند رغم مساحتها وصعوبة التنقل فيها.
  اننا نحب الرئيس الذي ينزل الى حياة الناس،وقد تربينا على قصص رجال الدولة والامراء الذين يتنكرون ويخرجون في المساء لمعرفة احوال الرعية وما تعانيه.
  اظن ان جولات قاسم تركت لنا حادثة شهيرة لا اعرف مدى صحتها وان كنت لا استبعد حدوثها حين طلب الزعيم من صاحب فرن تصغير صورته والاعتناء بحجم "الصمونة" التي يبيعها.
  لكن لهذه الايام حكاية اخرى.فهناك حركة مستمرة،واعلانات تلفزيونية وصحفية تصب كلها في النشاط الانتخابي.وحين تنتهي هذه الحملة فسيعود كل شيء الى حاله حتى موعد الانتخابات القادمة.
  اظن ان وصف المسؤول البيتوتي هو وصف دقيق لان كثيرا من مسؤولي الدولة،وحتى اعضاء البرلمان لم يكن لهم نشاط وتواصل حقيقي مع قطاعات كبيرة من الناس.لذا حدث هذا الجفاء السياسي.ولا اعتقد ان الصورة ستصحح في هذه الجولات التي يفسرها المواطنون على انها جولات انتخابية بالدرجة الاولى.
  يحتاج المرشحون الى حماس قاسم وصبره وقوة طموحه.قلت لم يبق من تلك الجولات الا حادثة واحدة حصلت في فرن بغدادي يبيع الصمون.لكن لماذا لم يحاول قاسم ارشفة حركاته ولقاءاته مع الناس في مختلف ارجاء بغداد.لقد انتهت رومانسية ذلك الرئيس لتحل مكانها هذه الصور التي نشاهدها في الساحات والجزرات الوسطية واعالي البنايات وحتى الهياكل غير المكتملة البناء.
  جاء اذن زمن اخر يتمتع فيه الكثير من المسؤولين بامتياز خاص بهم حين تندفع سياراتهم في الشوارع بقوة وكأن المسؤول يريد ان يتخلص من مشكلة ما.ولعل الكثيرين يشعرون بالانزعاج حين يقتحم طابور من السيارات الشارع معرقلا سير السيارات الاخرى.
  افكر احيانا بهذا التطور الغريب الذي وصلنا اليه بعد ان تحول المسؤول الى كائن بيتوتي يسكن وزارته او برلمانه طوال الوقت.وحين يطل شهر الانتخابات يظهر طالبا لاصوات الناخبين.وهنا تأخذ العملية شكل الصفقة التجارية التي يريد المسؤول ان ترسو عليه ليعود مرة اخرى الى وزارته، ويقوم بالدور نفسه.