أنقرة والسليمانية: خلفيات التصعيد التركي

شيرزاد اليزيدي

ردت أنقرة، وعلى طريقتها، التحية لحكومة أربيل وقررت فتح المجال الجوي التركي أمام حركة الطيران من وإلى مطارها فقط من دون مطار السليمانية، في محاولة مكشوفة لتقسيم إقليم كردستان العراق والعزف على وتر إحياء واقع الإدارتين في الإقليم. فليس سراً أن أنقرة طالما حاولت وعملت على اجهاض التجربة الفيديرالية ومجمل صيغة الحل للقضية الكردية في العراق، وهي ظلت تناصبها الــــعداء المكشوف حتى 2008 لتشرع بعدها في ممارسة سياسة عداء ناعمة ومستترة هادفة للتغلغل في المنطقة بغية إمساك مفاصلها وتطويعها. ولعل انتشار المدارس والجامعات التركية الخاصة ذات المنحى التديني الإخواني في الإقليم خير مثال، فضلاً عن الدراما التركية التي مع تصاعد الهوس التوسعي لتركيا تعرضت أخيراً للمنع والوقف في كبريات الشاشات العربية والكردية.
فإثر إقدام الطائرات التركية على تصعيد غاراتها وقصفها على المناطق المدنية المأهولة في باشور (كردستان العراق) والتي يروح ضحيتها يومياً قرويون ومدنيون أبرياء فضلاً عن تهجير سكان عشرات القرى والبلدات التي يطاولها القصف، وبدلاً من مسارعة حكومة الإقليم، أقله، إلى الاحتجاج والتنديد واستدعاء القنصل التركي بادرت الى اصدار ما يشبه تبريراً بل ودعماً غير مباشر للاعتداءات التركية ولخرق المجال الجوي لبلد آخر هو العراق.
وهنا فإن موقف وزارة الخارجية العراقية كان أقوى بما لا يقاس بالموقف الهزيل لحكومة الإقليم الذي صبّ الماء في طاحونة أنقرة، اذ إن بغداد كانت قاطعة في الدعوة الى وقف الانتهاكات التركية ووقفها، ولم تكن خجولة في رد فعلها كما حكومة الإقليم. فالقاصي والداني يعرفان أن مقار ومواقع حزب العمال الكردستاني تقع في مناطق جبلية وعرة غير مأهولة في قنديل وغيرها حيث ينتشر مقاتلو الحزب على امتداد سلاسل جبال كردستان المتداخلة عبر الحدود الدولية للدول المقتسمة لكردستان. وتنطّح حكومة أربيل، والحال هذه، للتحدث وفق «المنطق» التركي كان مبعث استهجان أوساط كردية، ففي الوقت الذي تصدر بغداد بياناً شديد اللهجة وتستنكر استهداف مواطنين أبرياء وقصف قراهم وحقولهم وممتلكاتهم كان حرياً بنبرة حكومة أربيل أن تكون أقوى وأكثر مباشرة في تعرية أفعال الدولة التركية، لكن بيانها أتى متلعثماً بل ويكاد يكون متواطئاً.
الواضح أن أربيل ستبقى صامتة على القرار الكيدي التركي الأخير بخصوص حظر الطيران من وإلى السليمانية عبر تركيا، في حين أن السليمانية انتظرت منها أن تطالب إما بفتح المجال الجوي لكل مطارات كردستان أو رفض تخصيص مطار أربيل فقط.
وليس خافياً في هذا الصدد أنه كانت ثمة موافقات مبدئية من بغداد على فتح مطار السليمانية قبل أشهر، لكن نائب رئيس حكومة الإقليم قوباد الطالباني كان رفض ذلك مصراً على فتح المطارين (أربيل والسليمانية) معاً، لكن السليمانية لم تُقابل بموقف مشابه من رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني.