بين طائرات تركيا وسماء عفرين

فتح الله حسيني

ما فتأت الماكينة الإعلامية التركية تتحدث وبزخم واضح عن انتصارات كبرى، وتفبرك بوضوح أكثر سيناريوهات معسولة وملونة للنصر "المؤزر"، وتؤجج نار الكراهية المأججة أصلاً، تركياً، ضد الكرد، الكرد أينما كانوا، حتى لو كانوا في أدغال أفريقيا وجنبات استراليا كما يطلقها بين الفينة والأخرى زعماء أتراك وشوفينون من الطراز الأول بحجم رجب طيب أردوغان، ولكن تظل لعبة الإعلام التركية لعبة مكشوفة للقاصي والداني على حد سواء، إذ شتان بين بيع الوهم وبين شراء الحقيقة.
عفرين الهادئة على الدوام، طيلة عقود طويلة مضت، وهي في أبهى حلتها، تقدم القرابين يوماً إثر يوم، ولم تستطع الطائرات الحربية التركية ودباباتها وإلى الآن من الظفر المؤكد الذي كان يعول عليه القادة الأتراك، سياسيين وعسكريين وجنرالات حرب وأمراء الإبادة، في أنهم، كما توهموا، على مرمى حجر من الظفر المتوج في عفرين.
تكاتف الكرد فرادى وجمهرات حول مقاومة عفرين التاريخية، الاستثنائية، التي أضحت مرتعاً للخسارات التركية، عسكرياً، رغم أن الخسائر البشرية توصف بأنها هائلة في صفوف المدنيين بين جمهرات من الشهداء والجرحى والمشوهين بنيران وقذائف الآلة العسكرية التركية وحلفائها الإرهابيين، إذ أن الهجمات لم تتوقف ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، بين أسلحة محرمة دولياً وبين أسلحة تستخدمها الدولة التركية الحلف في منظومة الناتو ليستشهد بها حلفاء الناتو الجدد، الكرد.
الصمت العالمي، أمريكا وعموم الغرب حيال تلك الهجمات الوحشية وطغيان هذه المشاهد المروعة للألم الكردي الاستثنائي والفريد، هو صمت يصل إلى حد العار التاريخي الذي سيلازم أمريكا والغرب معاً، في أن بقعة جغرافية صغيرة تدعى "عفرين" ظلت تقصف بكثافة براً وجواً، بينما كانت الشاشات الأمريكية والغربية مشغولة بالترويج لمصائر أناس آخرين، بعيدين عن أدنى مأساة، بينما ظلت مأساة عفرين الكردية في أوجها.
ظل الكردي، طوال العقود الطويلة التي مضت، وحيداً على مدى ساحات الحروب والمعارك التي فرضت عليه فرضاً، في أنه، أي الكردي، ظل يقاوم ويقاوم حتى آخر قطرة من دمه وإلى آخر نفس في روحه المعذبة بين تراب الوطن وهاجس مدن أوروبا، مترقباً المشهد في أنه أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع المعاش.
تركيا، المحتلة، المعتدية، بنقاباتها، ومؤسساتها المدنية والعسكرية، واتحادات علمائها، وثلة عملائها الرخيصين، ما زالت تصر على احتلال أرض كردية، كما تحتل أراضي وسماء شمال كردستان، وبين خطي الحدود، سورياً وتركياً، تظل أحلام الكردي مشتتة إلى أن تصل تركيا إلى ذروة خرابها في استفحال الأزمة السياسية داخلياً، وربما بعد انحسار وانكسار الاقتصاد التركي المتخبط بعد بدء الهجمات العدوانية على إقليم عفرين، بمدنها وقراها وناسها وعسكرييها وعزلها.
في توصيف آخر، ستظل تركيا تهاجم، وسيظل الكرد يقاومون، حيث لا خيارات أمام عفرين إلا النصر، هذا ما تؤكده الروح المقاومة الآن في أرجاء عفرين، براً وجواً.