"الصفعة العثمانية": الاحتفاء بتاريخية الإرهاب

شيرزاد اليزيدي

الهوس والتورم الامبراطوريان المعشعشان في العقل السلطوي لا يكلان ولا يملان في هذا الجزء من العالم. فبقدر ما تتفاقم الأزمات الوجودية العاصفة بمجتمعات دول منطقة الشرق الأوسط وتركيبتها الهشة المتهالكة ونظم حكمها السلطوية، يزداد النفخ في القرب الامبراطورية العابرة لحدود الأوطان والشعوب، حيث تطغى مثالات عليا خرافية وهلامية غير محسوسة وغير مدركة وهي دوما هدف عصي على التحقق، إذ يتم تحقير كل ما هو واقعي وملموس لصالح غايات عظمى واعتبارات تقع فوق مستوى خط حيوات الناس ومصالحهم وتفاصيلهم الإنسانية.
وللتغطية على الاخفاقات والتصدعات تلجأ النخب الفوقية المتسلطة إلى تسعير هذه النزعات وتقديمها كأولوية مطلقة ولا صوت يعلو على صوتها. فبعد نحو قرن من موت الرجل المريض وانهيار الامبراطورية العثمانية وتشكل دول المنطقة بشكلها الحالي، تعود تركيا لمحاكاة ماضيها العثماني ومحاولة بعث الروح في رميم خلافة شبعت موتا وسقوطا. ويجري التنظير لإعادة انتاجها بل واعتبار المناطق الخاضعة لها بقوة الحديد والنار، ذات حقبة سوداء في التاريخ، مجالا حيويا لأنقرة وأرضا مباحة لها وحقا تاريخيا أصيلا.
فشلت سياسات أنقرة داخليا وخارجيا، لا سيما بعد تقمصها دور عراب الإسلام السياسي بعيد موجة الحراكات الشعبية المجهضة مطلع العقد الحالي ومحاولة إحلال البدائل الإسلاموية على وقع ضعف وهشاشة القوى الديموقراطية بفعل التصحر السياسي المديد وغياب الثقافة الديموقراطية نتيجة عوامل تاريخية ودينية واجتماعية وسيادة منظومات الوعي الماضوي والتقليدي الكابحة لتبلور تطور مجتمعي يقطع مع تلك الموروثات. وبفعل اهتراء مجتمعات المنطقة وتخلفها، فإن أنقرة لا تزال تمارس تأثيرها متربعة على الهرم المرتفع على جماجم ملايين ضحايا الاستبداد والإرهاب والحروب الأهلية والمشاريع التوسعية والوحدوية القسرية.
وإزاء كل المشكلات البنيوية العاصفة بتركيا وعلى رأسها القضية الكردية التي ليس سرا أنها محور تحركات أنقرة، فالموقف العدائي من الكرد ومن تطور تجربتهم الفيدرالية في سورية هو العامل الحاسم في تحديد اصطفافات تركيا وخياراتها السورية والإقليمية، فضلا عن ضخ جرعات الأسلمة المتزايدة في مختلف مفاصل الاجتماع في بلد متعدد دينيا ومذهبيا، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه لا بد من تشريع بتحريم الدعارة في تركيا. ويرى أردوغان في تشريع الدعارة تناقضا فاضحا مع إسلامية تركيا. إذ كيف يمكن لبلد يُعد المثل الأعلى للإسلامويين أن يشرع الدعارة؟ ولذلك يبحث أردوغان في إمكانية تحريمها قانونيا. وفي الوقت عينه، يعمل على تفصيل دستور رئاسي على مقاسات رأس الدولة وبما يجعل منه سلطانا نيوعثمانيا ويرفع مستوى النزعات التوسعية والاحتلالية كما في حرب الإبادة التي تخوضها أنقرة في عفرين.
ففي ظل هذا الواقع، يخرج علينا رئيس الجمهورية التركية ليقول تارة إن قدر بلاده تحمل المسؤولية والقيادة من البلقان إلى قفقاسيا ومن شمال إفريقيا إلى الأناضول، وكأننا لا زلنا في الزمن العثماني الرديء غير المأسوف عليه؛ وتارة ثانية يهدد أميركا والكرد في سورية بالصفعة العثمانية التي أسهب رئيس وزرائه بن علي يلدريم في وصفها والتغني والتفاخر بها حين قال في مؤتمر ميونيخ للأمن المنعقد في ألمانيا مؤخرا: "لمن يسأل عن الصفعة العثمانية أنظروا إلى عفرين وستعرفون معناها".
وإذا استندنا إلى يلدريم، فإن الصفعة العثمانية تعني قتل الأطفال الرضع والنساء والمدنيين وهدم بيوتهم فوق رؤوسهم ما يجعلها بالفعل صفعة ليست كأي صفعة. ويخلص رئيس الوزراء التركي إلى أن عدوانهم على عفرين هو لحماية الحدود الجنوبية لحلف شمال الأطلسي (ناتو). وهذه بحد ذاتها نكتة. فكيف تكون حماية البوابة الجنوبية للناتو بضوء أخضر روسي (روسيا خصم إن لم نقل عدو ناتو الوجودي والتاريخي)؟ وهل تناط حماية الحدود الجنوبية للناتو إلى جبهة النصرة ومتفرعاتها القاعدية؟ فأي دجل وتلفيق وتناقض هذا! وكيف يمكن لآلاف مؤلفة من الإرهابيين القاعديين والدواعش المشاركين في العدوان على عفرين تولي مهمة حماية الثغور الجنوبية لبلاد "الكفار" و"الفرنجة" و"الصليبيين" ممن يعلن أردوغان التصدي لحملتهم "الصليبية الجديدة" التي يقودها الكرد؟ نحن حيال احتفاء بتاريخية الإرهاب من مبتدأه العثماني إلى منتهاه الأردوغاني.