التاريخ.. "عفرين" إذ تُحطم الصنم العثماني

محمد أرسلان

عدم استيعاب وإدراك روح التاريخ المجتمعي للإنسانية يدفع بالمرء للتمرغ أكثر وأكثر في وحل مستنقع الفشل والضياع والنتيجة المحتومة في الخروج من الحالة الفاعلة نحو اللا محل له ضمن التوازنات الحافظة على سيرورة المجتمع. إذ، يُعلِمُنا التاريخ جيدًا أن البقاء نشيطًا ومُدرِكًا لآليات التطور المجتمعي يحتاج إلى إحياء التاريخ المجتمعي وعد الانقطاع عنه مهما كانت المصالح والمسببات. فما زوال الكثير من الأباطرة والامبراطوريات على مر التاريخ والتي كان لها من القوة تكفيها في أن تكون القِدوة لمجموع المجتمعات التي تحكمها وتُدير أمورها، والنقطة الهامة في زوالها لم تكن قط قوة الطرف الآخر وجبروته بقدر ما كان السبب هو الابتعاد عن القوة الجماهيرية التي لا يمكن الاستهانة بها مهما ضعف شأنها وبانت وكأنها لا حول لها ولا قوة.
كانت يومًا ما آكاد وبابل وأشور والفراعنة والنماردة والرومان واليونانيين، يحكمون العالم عبر التاريخ، وكذلك تحت مسمى الفتوحات الاسلامية وصل العرب إلى تخوم الصين ودخلوا إسبانيا. لكن الآن كافة تلك الامبراطوريات والأباطرة التي حكموها، والذين جعلوا من أنفسهم آلهة هم في طي كتب التاريخ ندرسهم لنتعلم منهم مسببات الزوال والاضمحلال، بالإضافة إلى مكمن القوة التي وصلوا من خلالها إلى ما كانوا عليه ونقاط الضعف التي أوصلتهم إلى ما آلوا له.
حكموا العالم بجبروتهم وخطوا القوانين وجعلوا منها نواميس إلهية ينبغي على الجميع طاعتهم وتنفيذها، ليكونوا عبادًا صالحين يعملون لدنياهم كأنهم سيموتون غدا. الكل زال وكأنه سراب ولم يتبقَ من قوانينهم وتأليه ذاتهم سوى جبروتهم وظلمهم لمجتمعاتهم الإنسانية.
نعم، همّ ذهبوا واضمحلوا واختفوا من التاريخ الذي ذكر البعض منهم ولم يذكر الكثير، لأنه في النهاية كان من يكتب التاريخ هو المنتصر على حساب دماء تلك المجتمعات. لكن بقيت المجتمعات تناضل وتكافح بالرغم من كل الحروب والقتل والإبادات التي تعرضوا لها، لأن الأصل في البقاء هو للمجتمعات البشرية وليس للذيم يجعلون من أنفسهم زعامات افتراضية أو آلهة زائلون.
لطالما قالت المجتمعات كلمتها في الأوقات العصيبة والتي تكون فيها البشرية على حافة الانهيار والضياع، وتقوم بواجبها الاخلاقي بتصحيح مسار التاريخ وحماية ذاتها من الوحوش الملتهمة للبشرية تحت مسميات التطور والتكنولوجيا. حيث وصلت الحداثة الرأسمالية في راهننا لمرحلة أوصلت في المجتمعات الإنسانية أن تتقاتل فيما بينها، وصيّرَته مجتمعًا نمطيًا لا حول له ولا قوة سيحث عن مسببات وجوده فقط.
لا يمكن النفاذ من الحروب الكبرى بنفس المصطلحات والقوانين المُستهلِكة والفلسفات القديمة التي من خلالها سيطروا على المجتمع وحولوه إلى جحيم لا يُطاق يقتل فيه الأخ أخيه لمجرد رأي أو فكرة أو طالب بحقه في العيش بكرامة.
تركيا التي تحاول فرض نفسها على الشعوب التي مزقت قناع الخوف والرياء وتبحث عن حريتها وكرامتها، لن يكون بمقدورها أن تخلص نفسها من الفشل والضياع وإلقائها في مزابل التاريخ في النتيجة. تركيا التي جعلت من نفسها إلهًا وصنمًا وأجبرت الكثير على الطاعة والسجود وتوصيف أردوغان بأنه "خليفة المسلمين"، ستنهار وتتحطم تحت ضربات الكرد وعشقهم للحياة الحرة والكرامة. وكما حطم سيدنا إبراهيم أصنام النماردة يومًا ما لتخليص الشعوب من ظلمهم وجبروتهم، الآن يُعيد التاريخ نفسه وبنفس المكان ويمنح الكرد ثانية شرف الخلود والكرامة في تعليم البشرية معنى عشق الحرية وايصال المجتمع الانساني لمرتبة السمو والعزة وتحطيم الأصنام والسير بالبشرية تحو الخلاص.
لن تسقط عفرين مهما حشد أردوغان من قواته وزبانيته، بل ستكون ميدانًا لتقينه دروسًا في معنى المقاومة حياة. كيفما أنه لم تسقط كوباني "عين العرب"، كذلك ستكون عفرين شوكة في حلق أردوغان وستخنقه وتخلص الشعوب من ظلمه وعنجهيته الشيطانية. وسيكتب التاريخ أنه بإرادة أهلها وكافة محبي الحياة الحرة والكريمة، عفرين حطمت الصنم العثماني.