نهاية الدولة النفطية

ساطع راجي

المشاكل الاقتصادية التي تواجهها السعودية ليست جرس انذار للدول النفطية الاخرى ومنها العراق، بل يجب ان تكون هذه المشاكل صعقة كهربائية تبدد الاوهام، فما يحدث للاقتصاد السعودي ليس نتيجة تراجع اسعار النفط، بل هو نتيجة منهج الحياة النفطية القائمة على الاستسلام والراحة بانتظار العائدات، بينما يتزايد عدد السكان المعتمدين على هذا المورد الوحيد ولأنهم بلا عمل حقيقي يتجهون للاسراف في الانفاق.
تقوم الاحلام الاقتصادية النفطية في العراق على ان تحسن اسعار النفط وتراجع الانفاق العسكري سيؤدي بالضرورة الى تحسن اقتصادي وهذا غير صحيح لأن الثروة ينتجها العمل الحقيقي للسكان، العمل الذي يعني تقديم سلع بالدرجة الاولى وهو ما يتناقض مع الاسطورة النفطية التي تمنى العراقيون طويلا دخول نعيمها ولو ليوم واحد بناء على صورة متخيلة للمجتمعات الخليجية المتنعمة، غير مدركين للفوارق بين العراق ودول الخليج الاخرى في عدد السكان والمساحة.
لطالما قارن العراقيون حالهم بالدول النفطية الخليجية بينما يتجاهلون حال العدد الاكبر للدول النفطية مثل الجزائر وفنزويلا مستذكرين ايام الطفرة النفطية الاولى في السبعينيات متجاهلين الظرف السياسي الذي قاد لتلك الطفرة وما تسببت به لاحقا من فوضى في المنطقة ليتحول النفط الى سلعة سياسية لاتحدد الاسواق فقط قيمتها وانما تشترك الدسائس والطموحات الدولية في ذلك.
عندما نتخذ السعودية مثلا في تراجع الاقتصاديات النفطية فذلك لأنها النموذج الابرز ولا يعني انها الوحيدة او الاشد سوءا، فحتى دول مثل الامارات والكويت بعدد سكانهما القليل ومساحتيهما الصغيرتين تواجهان اليوم مشاكل كبيرة، لكن ميزة هذه الدول الثلاث انها بدأت محاولات الاصلاح الاقتصادي قبل ان تصل حافة الهاوية فقد لجأت للضرائب وزيادة اسعار السلع والخدمات التي تقدمها الدولة ومنها الوقود، واتخذت الرياض خطوات لافتة مثل مواجهة كبار الفاسدين والاهم هو انطلاقها في خصخصة قطاع النفط وتحديدا من عصب هذا القطاع أي شركة أرامكو التي ستبدأ هذا العام ببيع اسهمها مع احتفاظ الدولة بالحصة الاكبر.
مشكلة الدولة النفطية ليست اقتصادية فقط فهي تنمي سلوكيات تدميرية عند السكان ابتداء من عقيدة ترى ضرورة مجانية كل شيء تقدمه الدولة والانفجار الاستهلاكي وتحويل الوظائف الحكومية الى نوع من الرعاية الاجتماعية للمواطن وليست مهمة اقتصادية انتاجية، دولة مثل السعودية كانت تلبي كل هذه الطموحات لكن مع زيادة السكان ظهرت المشاكل وبسبب نظامها الاجتماعي لم تتمكن من مصارحة المواطنين بإن الحفاظ على الرفاهية يعني تنظيم النسل، الدولة العراقية ايضا لن تقول للعراقيين ذلك.
نزق حكومات الدول النفطية وادوارها الخارجية غير المدروسة وتعسفها الداخلي هو نتيجة للاقتصاد النفطي حيث يتصاعد شعور بالاهمية العالمية عند حكومات الدول النفطية بسبب طبيعة السلعة التي تنتجها بلدانها حتى تظن هذه الحكومات انها مؤهلة لأدوار كبيرة فتغوص في الاخطاء ومنها سياسات التسلح الواسع والتسويق العقائدي والمظهريات الثقافية والعمرانية التي لا تحقق حاجات اجتماعية تنموية لذلك لايكون لها تفسير غير أزمة استصغار الذات لدى الحاكم المهووس بجذب الاهتمام الخارجي للخروج بصورة محدث النعمة.
السعودية تنبهت الى الازمة منذ سنوات عبر محاولات مثل "سعودة الوظائف" اي احلال السعوديين بدل الاجانب في الوظائف، لكن واجهت الحكومة ممانعة اجتماعية في بعض الوظائف، ولذلك اطلقت المملكة برامج تأهيل وإقراض لبناء مشاريع صغيرة، والخطوات الاخيرة تبين ان كل تلك الاجراءات لم تكن كافية.
الفرق بين الاقتصاد النفطي والاقتصاديات المركزية الاخرى التي تديرها الحكومات هو الاثر التدميري للنوع الاول في سلوك المواطنين والحكام على السواء، الاقتصاد النفطي ينمي الاسراف والمظهرية والكسل والغرور والاستهانة بالعمل كمنتج حقيقي للثروة ويؤدي الى ظهور اغنياء حصلوا على ثرواتهم من صفقات فاسدة مع الحكومات وهو ما يهدر ثروات هائلة وتعجز الدول عن تلبية حاجات مواطنيها الذين لايزيد عددهم احيانا عن ملايين قليلة.
العراق يعيش منذ عقود أزمات الاقتصاد النفطي وبعدما تحققت خطوات للخروج من هذا الاقتصاد اواسط التسعينيات بسبب الحصار انتبهت السلطة الى ان تحرر الاقتصاد من النفط يضعف سيطرتها على المجتمع فتراجعت عن هذه الخطوات وعادت لإهمال القطاعات غير النفطية بمجرد عقد اتفاق النفط مقابل الغذاء بينما اعتمدت الدولة بعد 2003 على النفط بشكل مسرف ورغم التعهدات الحكومية بتنويع مصادر الثروة الوطنية لكن لم تطرح خطط حقيقية وبقي هذا الموضوع المصيري مجرد فقرة دائمة في الخطابات السياسية.
الاقتصاد العراقي النفطي لم يعد قادرا على الاستمرار بتوفير وظائف وهمية والبطالة تتراكم وهو ما يجب ان يدفع الحكومة لاتخاذ خطوات عاجلة قبل ان تتراكم الازمات وتصبح البطالة سببا لتهديد جديد للأمن والاستقرار.