سباق سوتشي ولاحقاته

سيهانوك ديبو

لا يحتاج الأمر إلى عناء التحليل بأن روسيا تُقَدِّم نفسها على أنها المستعدة لأكثر من أيِّ وقت مضى على إدارة ملفات العالم المشتعلة؛ جنباً إلى جنب الولايات المتحدة الأمريكية. وأن انتهاء زمن السوفياتات في طي مظهر القطبين يقابله اليوم إحياء القطبين مع فارق تهميش الأيديولوجيا لصالح الاقتصاد النفطي وخطوط الغاز وسكك القطارات الحديثة والممرات المائية. إعلانها اليوم بالبقاء قرن آخر في (سوريا المفيدة) أو ال 75 عام الذي يضاف إليه 25 أخرى أو أكثر حين يحين ذلك الوقت ضمن تسلسل السياقات وصناعتها وفق سياسة البقاء المعلنة؛ هذه. هنا؛ يمكن قبول الإعلان بإن الدب يشير بشكل أكبر للخصوم من قبل الأصدقاء في أن سباته الذي دام قُرابة ثلاث عقود من الزمان بات في حكم المنتهي، وأن الأعين تبدو حادة وأن الصاحب في ذلك مازجٌ ليس بالسهل يحمل عجينة خلّطها ما بين القيصرية وأيديولوجية السوفييت في عهد الاشتراكية المشيّدة. إنه فلاديمير بوتين وكثيرٍ من التوقعات التي تؤكد دخوله العملية الانتخابية في 18 مارس آذار العام المقبل دون خلفية أو انتماء سياسي؛ يحصد معه وحيداً أصوات ثلثي من شعوب روسيا أو أكثر بقليل وعلى أقل تقدير.
براعة الدب تكمن في عينه الحادة واحكام القبضة على رأس الخيط المحرِّك لمجموعة اللاعبين الإقليميين في الشرق الأوسط. ولا مشكلة له أن يجمع بين النقضاء، وهو الذي فعلها في أن يجمع ما بين العدوتين التاريخيتين في الشرق الأوسط: تركيا وإيران/ العثمانية والصفوية. وحتى بالنسبة للنقيضين في سوريا منظومة الاستبداد ونظام الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا/ نظام الدولة المركزية ونظام الدولة الوطنية اللامركزية الديمقراطية؛ فقد طرح ولم يزل أنْ بمقدوره الجمع بينهما، ومن خلالهما يكمن الحل، فحينما تتيقن روسيا –بعيداً عن التصريحات- بأن بقاء التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية سيطول في شرق الفرات أمر لا مفرّ منه؛ بل من المرجح اجرائه وجريانه بالتنسيق السابق واللاحق ما بينهما؛ فإن ذلك لم تمنعها القفز إلى ضفة الفرات الشرقية وعقد شراكة استراتيجية مع قوات سوريا الديمقراطية في ريف دير الزور وفي الوقت الذي سبقه تنسيق مع وحدات حماية الشعب في عفرين. محاولة في ذلك الجمع بينهما كطرفين من أكثر الأطراف المؤثرة النقيضة على الأرض. ثقافة الروليت الروسي ليست مسؤولة فقط عن ذلك. يتعدى الأمر ذلك بالظهور أو لنقل انظهار الأشكال الجديدة في نظام الهيمنة العالمية والتي بات من يراقب ظهور القوى المهيمنة العالمية بأن لها من العمر المحدد. وكل مئة عام لا بد من ظهور لمهيمن.
روسيا لن تختلف كثيراً وأمريكا وكل من يجد نفسه معنيّاً بحل الأزمة السورية بأنه لا حل للأزمة دون حضور الشكل السياسي في شمال سوريا وروج آفا؛ أما (طحش) البحث عن أكراد غير محسوبين على أحد فما هي إلا تحويلة إلى لوزان 1923 التي أسقطت حق الكيان الكردستاني المقرِّ بدوره في سيفر 1920، أما تحويلة لوزان فحدثت من خلال بعض من (الأكراد) الذي استخدموا كشهود زور. يلعنهم الكرد باستمرار حتى اللحظة وما حُيوا على البسيطة. باختصار لا ترجيح لأدنى احتمالية كي نكون أمام لوزان2 وأردوغان قد يشبه أي شيء إلا مصطفى كمال. فكرد اليوم يختلفون عن كرد الأمس، البراديغما هي الأساس في ذلك. وبراديغما الكرد الفاعلين اليوم تكمن في الأمة الديمقراطية. فمثلما لم تكن براديغما الأمة الديمقراطية جلّابة لبراميل النظام فهي اليوم لن تكون جالبة لإعادة انتاج النظام الاستبدادي ولن تكون طرفاً في التقسيم السوري وإنما أساساً للتحول والتغيير الديمقراطي. الجواب نسمعه اليوم كثيراً من المختلفين. وكنا به المؤمنين في البدايات الأولى للأزمة السورية.
من المبكر قليلاً الحديث عن المشهد الأخير في انطلاق سوتشي. ربما؛ الدب لم ينتهي لعبة الشطرنج بعد. جالس في طرف اللون الأبيض، أمّا من يحرك الحجارة السوداء ثلاث أنظمة سوداء في تركيا وفي إيران وفي دمشق. وباحتمالية أقل من الممكن أن تتمدد اللعبة فيتأجل اجتماع سوتشي. لكن المتوقع أن موسكو التي تحرص على كسب النقاط؛ من مصلحتها؛ بأن يكون ممثلي الإدارة الذاتية الديمقراطية وممثلي القوى السياسية في شمال سوريا من الموجودين. وأن مسألة اخراج تركيا المسلح من سوريا لن تأخذ من موسكو الوقت الكثير؛ فالتحالف ضد الإرهاب يتوسع ودائماً تركيا مقصيّة منها. من البداية فقد دخلت تركيا بالإذن من روسيا وأمريكا. لكن تركيا بدأت تتعلم بأن وجودها لن يشبه كما وجودها في قبرص. هذه المرة تخرج من جرابلس حتى الباب. النصف الأول من العام الجديد يفي بذلك، على أن يكون النصف الثاني خروج تركيا من إدلب بشكل نهائي. القفزة التركية واستيلائها على جزيرة سواكن السودانية في البحر الأحمر؛ لن تكون بالساكنِ بعد دخول تركيا، وقبل ذلك وجودها في قطر؛ ربما تفيد تركيا قليلاً من ناحية خطاب (السلطان) الشعبوي. لا شيء آخر حتى تجري مياه التغيير في تركيا أيضاً.
سباق سوتشي محموم. على عكس لاحقته الباردة. قد تكون ضربة صولجان القيصر قوية؛ لكن لن تكفي بانقشاع الحل إلى الأزمة السورية. وسلال دي مستورا الأربعة لن تمتلئ في سوتشي أيضاً. ربما تكون بداية موفقة فقط نحو مرحلة الاهتزازات في العام 2018 السورية.