عرض لمجلة بعد خمسين سنة على صدورها

عبد الزهرة زكي

حسناً يفعل اتحاد الأدباء وهو يعيد طباعة الأعداد الأولى من مجلته (الأديب العراقي) الصادرة مطلع الستينيات ليرفقها إلى قراء هذا الزمن مع العدد الجديد من المجلة.
آخر ما وصلني من أعداد المجلة القديمة هو طبعة جديدة من عددها الأول لعام 1963، وأتوقع أنه آخر عدد من المجلة قبل 8 شباط من العام نفسه، فقد صدر في مثل هذه الأيام بالضبط، قبل الانقلاب بأيام معدودة.
كاد العدد يكون مكرّساً لذكرى مهمة هي الذكرى الألفية لبغداد التي جرى الاحتفال بها ببغداد عام 1962، وقد ترافقت مع ذكرى أخرى لفيلسوف المدينة يعقوب بن اسحق الكندي.
(كلمة التحرير)
التي تصدرت العدد تشير إلى المناسبتين بغداد ـ الكندي، فتتحدث عن بغداد بمزيج من الفخر بها والخشية والألم عليها:" وغدت بغداد تحمل رسالة الإنسانية إلى الأجيال قروناً، وتضيف إليها من خلقها وإبداعها إضافة جليلة المقدار، ولو قُدِّر لها أن تتجنب الكوارث، وأن تكون بمنأى من المآسي لكان لها شأن في عواصم العالم الثقافية، ولكنها مُنيت بالغزوات المدمِّرة، وبتسلّط الحكّام الجهلة الظالمين، وقاست من آلام الحروب وويلاتها ما كاد يمحو آثارها ويطمس معالمها لولا ما كان لها من أصالة".
يخلو العدد من أية إشارة سياسية باستثناء جمل متفرقة تشيد فقط بالرابع عشر من تموز. لكن الميزة الأبرز وضوحاً، بالنسبة لي، بهذا العدد هي في طابعه الأدبي المحافظ الذي غلب وهيمن على المنشور من نصوص الأدب، الشعر خصوصاً حيث يغيب الشعر الحديث تماماً، وتحل محله قصائد تقليدية كثير منها يفتقر إلى أية قيمة. بينما تتوفر (الدراسات) المنشورة في العدد إلى شيء من الجدة والحيوية في التفكير؛ إنها مقالات أكثر من كونها دراسات برغم أن مؤلفيها من كبار علماء وباحثي الجامعات العراقية حينها. حيث كتب الدكتور مهدي المخزومي عن (النحو في بغداد) والعلاقة بين نحويي بغداد ومدرستي الكوفة والبصرة النحويتين الأشهر، نافياً أن يرقى النحويون البغداديون إلى إمكانية الحديث عن مدرسة ثالثة تعزلهم بخصائص واجتهادات مائزة عما للكوفيين والبصريين. وكتب الدكتور كامل الشيبي عن (سيرة الكندي ودوره في الفكر الإسلامي)، مشيراً، ومركزاً على (الروح المنفتحة) لفيلسوف بغداد وجهوده من أجل إرساء التفكير الفلسفي في الثقافة العربية والإسلامية. كما كتب الدكتور إبراهيم السامرائي (مقدمة في العامية البغدادية في ألف ليلة وليلة)، كان مقالاً بجهد رائد، ولست متأكداً ما إذا كان الكاتب الراحل قد أتمّه في ما بعد ليكون موضوعاً حيوياً لكتاب.
سأقف هنا بشيء من التفصيل عند (تقرير) كان قد كتبه الدكتور علي جواد الطاهر بوصفه سكرتير اتحاد الأدباء حينها، وقدّمه لاجتماع الهيئة العامة للاتحاد، وذلك للأهمية التاريخية للكثير من الإشارات، برغم اقتضابها، التي وردت في التقرير، وما تقدمه من صورة معبّرة إلى حدٍّ ما عن طبيعة الحياة الثقافية وظروفها في تلك السنوات.
يوحي التقرير أن الاتحاد لا يتلقى تمويلاً حكومياً سانداً يُذكَر. ففي أثناء الحديث عن صعوبات إصدار المجلة يكتب الدكتور الراحل:" نأمل أن يقدِّر المؤازرون والمشتركون حراجة موقفنا، وأن يُبدو من الأريحية ما أبدوه في العام الماضي وزيادة. فلا ولن نستغني عن مساعدتهم ولا عن مساندتهم، ولن يكون لمثلهم عدم وصول بعض الأعداد عن طريق البريد ذريعةً لقطع الاشتراك، وعهدنا بهم غير هذا". حتى يختم هذه الإشارة بقول موحٍ بأكثر مما يفصح عنه:" إن المشتركين عدّتنا في حياة مجلتنا ــ مجلتهم. وذلك طبيعي أدبياً ومالياً، ولا يخفى على امرئ حر الضمير وعارف بالأسرار".
بعد مرور أكثر من نصف قرن على كتابة التقرير فإن كثيراُ من مشكلاتنا ما زالت هي ذاتها؛ فظروف إصدار كتاب آنذاك هي أيضا كانت معقدة ومكلّفة فيما كان تسويق الكتاب نفسه مشكلة واضحة بتعبير التقرير:" أما جملة الانتاج الأدبي لأعضاء الاتحاد فجيدة، ولقد ضيق كثير من هؤلاء الأعضاء على معاشهم من أجل أن يخرجوا إلى الوجود كتاباً، ومع أنهم أقدموا على النشر بأسوأ الفروض، ولكنهم مع ذلك علموا بعد النشر أنهم كانوا على الغاية من التفاؤل". ويفصّل الدكتور الطاهر بتقريره هذا الحال المفرط بتوهم التفاؤل عن تسويق الكتاب بالقول:" إن الكتاب الناجح في العراق هو الذي يبيع في حدود الثلاث مئة نسخة، أما الذي يبيع مئة فكثير. لكن لابد من المواصلة والإصرار حتى يحتلَّ الكتاب العراقي مكانه". ولعل ما استغربه وأنا اقرأ هذه المعاناة هو ما وقعت عليه عيناي في صفحة المجلة الأولى من هامش يفيد أن المجلة (طُبعت بمطبعة الأدباء العراقيين)، لأتساءل عن دور مثل هذه المطبعة بتسهيل إصدار المجلة والمساعدة بطبع كتب الأدباء ما دام الحال بهذا العسر الذي يتحدث عنه التقرير.
كان الوسط الأدبي محدوداً بحيث كان يمكن للتقرير أن يحصر الإصدارات خلال عام بعدد لم يتجاوز العشرين كتاباً في مختلف مجالات التأليف الشعري والقصصي والنقدي والتاريخي وفي الترجمة والتحقيق، ويتوسع واضع التقرير فيتحدث عن (مشاريع) كتب وقصص ومسرحيات يعكف مؤلفوها على كتابتها قبل نشرها وحتى قبل إنجازها، وذلك تأكيداً منه " ودليلاً جديداً على حياة عنصر الإبداع" على حد تعبير التقرير.
(أخبار الاتحاد)
 وقد جاءت في خاتمة العدد، توضح هي الأخرى جوانبَ من الحياة الثقافية مرصودةً من وجهة نظر تقليدية محافظة، ويبدو أنها وجهة نظر الجهة المتنفذة في اتحاد تلك السنوات الذي كان برئاسة الشاعر الجواهري، فيما كان الدكتور مهدي المخزومي نائباً له والدكتور الطاهر سكرتيرا للاتحاد، إضافة إلى أعضاء آخرين بينهم الشاعران محمد صالح بحر العلوم وباقر سماكة. ويمكن أن تكون قصائد المناسبات الهزيلة (التي ثبتتها التغطية الخبرية)، والتي كانت مما يستقبل به المتنفذون من شعراء الاتحاد ضيوفَهم العرب والأجانب، سمةً فاضحة لذلك الهزال الثقافي والاجتماعي والشعري.
 ضمن هذه الزاوية جاء خبر يتحدث عن (نية) الاتحاد و(استعداده) لإقامة احتفال بذكرى محمود أحمد السيد. ولتأكيد أهمية هذه الاستعدادات يأتي كاتب الخبر على ذكر اسماء الأدباء والكتاب العرب الذين (ينوي) الاتحاد دعوتهم لحضور المهرجان، كما يذكر رغبة الاتحاد بجمع ما سيقرأ بالاحتفال وإصداره بكتاب، ويذكر أن الاتحاد " أراد أن يقترح نقل رفاته من مصر وأراد أن يعلق على باب داره في باب الشيخ لوحة تذكارية"، لكنه يختم الخبر بالتالي:" ولئن حال المال دون التنفيذ فإنه (الاتحاد) سيقيم حفلا عائليا في مقره لمرور ربع قرن على وفاة فقيده العزيز.. وستتصدر الاحتفال صورة محمود أحمد السيد التي أعدها الاحتفال منذ الأيام الأولى لفكرة الاحتفال".