خريطة الاحتجاجات تسلب النظام ورقة الفتنة العرقية

روشن قاسم

هذه المرة النظام أمام تحدٍ مختلف، ففي كل مرة كانت تهتز جنبات إيران على وقع احتجاجات عادة ما كان تتصدرها مجموعة عرقية بعينها، وبالتالي يتعامل معها النظام الإيراني باعتبارها حركة انفصالية أو مؤامرة خارجية من تدبير أجهزة استخبارات غربية وإقليمية، لتظل استراتيجية نظام ولاية الفقيه في التعاطي مع التركيبة العرقية في بلاده لغماً أمام أي حراك احتجاجي، وبالتالي أداة بيد النظام لزرع الفتن بين القوميات والعرقيات في إيران.
إلا أن تفاقم المشاكل الاقتصادية والسياسية، نتيجة سياسات إيران الداخلية والخارجية، وحّد العرقيات المختلفة حول الملف الاقتصادي وملفات الفساد والقمع الممنهج، ما قد يُفشِل محاولات النظام هذه المرة لتحوير المسار الاحتجاجي وإظهاره على أنه حركة انفصالية أو صراع طائفي لتمرير أجندة خارجية.
‏وكان لانطلاق التظاهرات في مشهد والشعارات التي رفعها المحتجون بعداً فاق الأبعاد السياسية للحراك المحصور بجغرافية الأقاليم، فاندلعت الشرارة في مدينة مشهد الفارسية، لتتوسع رقعة الاحتجاجات وتنفجر في كردستان غرباً، وبلوشستان شرقاً وتصل إلى إقليم الأحواز جنوباً وأذربيجان شمالاً، وتستمر سبعة أيام على التوالي عاصفة الغضب الشعبي في إيران، احتجاجاً على القمع الذي يمارسه النظام والضائقة المالية واستشراء البطالة والفساد في البلاد. التظاهر كان لافتاً في كرمانشاه وسنندج في كردستان، وطهران وتبريز واردبيل وكرج وعبادان والأحواز ورشت على رغم الإجراءات الأمنية المشددة، وكذلك في تشابهار وبندر عباس ودهشت وياسوج وشاهين شهر وتاكستان وزنجان وايذج. وبحسب المراقبين، فإن ما تشهده إيران هذه المرة مختلف بشكل تام عن التظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها خلال الأعوام الماضية.
‏ورغم محاولة النظام خلال اليومين الأول والثاني إظهار الاحتجاجات على أنها ضد شخصيات معينة أو جناج بعينه في النظام، إلا أن الوجه الحقيقي للاحتجاجات الذي ظهر له وللعالم أوضح أنها ضد النظام ككل، وشعارات المحتجين التي اتخذت منحى راديكالياً بينت ذلك جلياً، بمطالبتها بإسقاط النظام وبالتغيير الجذري وليس الجزئي الذي يحاول النظام الإيحاء به.
أظهرت الاحتجاجات في جانب آخر أيضاً أن هذا النظام فقد رصيده في الداخل، لا سيما عندما يجري الحديث عن خلافات بين الجيش الإيراني و"الحرس الثوري"، وهذا طبيعي، خصوصاً بعد أن استنزفت إيران الدماء الشابة في حروب خارج حدودها.
إذن الاحتجاجات تهدف إلى إحداث تغييرات جذرية تطال رأس النظام، وتم بالفعل كسر حاجز الخوف بعد أن رأينا كيف تم إحراق صور الخميني رمز "الثورة الإسلامية" في إيران رمز ولاية الفقيه، مع صور خامنئي ورموز النظام ومنهم قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" قاسم سليماني. علىى رقعة خارطة الاحتجاجات، كانت الاصوات نفسها تصدح في مشهد وكرمانشاه والأحواز وتبريز ولورستان، ورأينا كيف أن النظام بدا في البداية عاجزاً عن مجاراة سرعة الحراك ومجابهته.
بالتأكيد سيلجأ النظام إلى قمع الاحتجاجات بأي شكل من الأشكال، ولكن إيران لن تعود في كل الأحوال إلى ما كانت عليه قبلها.