متى تستقر أوضاع البلاد؟ وهل ستستقر؟

عادل عبدالمهدي

تُطرح اسئلة وتُسمع تعليقات: كيف هي الاوضاع؟ لماذا وعود كثيرة وانجازات قليلة؟ أسمعت لو ناديت حياً؟ الانتخابات اقتربت وبدأت المزايدات، وما هي التحالفات، ومن سيفوز، وهل سيشترك الحشد، وهل ستعيد الاحزاب هيمنتها، وهل ستجري الانتخابات رغم الاعتراضات؟ قفوهم كلهم مسؤولون؟ أهناك سلطة قرار؟ كيف سيتحسن الوضع الاقتصادي؟ والمشاكل العالقة بين بغداد واربيل؟ والفساد والمحاصصة والطائفية والاثنية والارهاب، وانتصار القانون والمواطنة؟
هذه اسئلة تعبر عن القلق والاضطراب، لكنها مشروعة. وسيصعب على السائل ان يتلقى جواباً شافياً يقنعه، إن بقيت اسئلته تمس السطح، ولا تسبر الاغوار. فهناك مستويان: 1- ان نقتنع بما يدركه وعينا وفهمنا، ونبقى في مواقع القصور والتقصير.. و2- ان نقتنع، بعد الاحاطة والمعرفة، لما يجري خارج وعينا وارادتنا.
المشكلة ليست فقط في الحكم والدولة والرجال والقوى.. المشكلة الاساسية ما زالت في المجتمع والشعب والمحيط الاقليمي والدولي وعوامل اخرى تصنع الاحداث. بكلمات اخرى المشكلة ايضاً في السائل نفسه، وما يريد الاستماع اليه. فهناك من له مواقف مسبقة رافضة لكل شيء. وهناك من تعصبت عواطفه لفكرة ومصلحة وشخص وحزب وانتماء وهوية ونموذج، ويعجر الخروج من شرنقته، فلا يفهم الغريب عن عواطفه وانتماءاته، وهكذا.
ما زلنا شعب منقسم فيما بينه، نفتقد المعايير المشتركة في امور عامة وتفصيلية اساسية.. مما يتطلب قواسم مشتركة.. وهذه اما ان نحققها كعقلاء واناس واعين، او بالوعي والارادة والاحداث والتدافعات من خارجنا. فالمجتمعات كالطبيعة تعالج شؤونها باعادة تكييف نفسها لتحتوي الانحرافات والسلوكيات الجائرة والتجاوزات المستمرة. فترتد على العدوان، وتغضب على الانسان وتنتفض لتعيد التوازن، ولترسم لنفسها ولغيرها حدوداً تنظم قوانينها كما تنظم حدود الاخرين معها.
بهذه النظرة نفهم الفوضى والتعطيلات والاحتلال والعنف والارهاب ونجاح وفشل الحكومات والمجتمع. فهي تخفي –بعيداً عن الانظار- توازناً وتأسيساً جديداً.. نستطيع ان نعجل به لبناء الوعي الجمعي والالتزام نصاً وروحاً بالعقد المنظم له، ونستطيع ان نستمر بالتمرد والتحايل عليه، لنفعّل ما ينفعنا، ونعطل ما ينفع غيرنا، والعكس صحيح. فلدينا رجال وحكومات يحملون خلفيات ومطامح جديدة، لكنهم يحكمون بقوانين وتشريعات وخلفيات قديمة ومغايرة لما يعلنونه.. ولدينا سلطات مختلفة، لكن كل منها يحكم وكأنه الكل وليس جزءاً من منظومة.. ولدينا حريات وتنوع وتعدديات، لكنها لا تعرف حدودها، وتتجاوز الاخرين، كلما امتلكت القدرة لذلك. فيستمر الشد والخلاف والتصادم والتعطيل. فالعراق لن يصبح واضحاً مع نفسه، ان لم يصبح واضحاً فيما بينه، وقبول مكوناته العيش المشترك والمصالح المتبادلة.. ولن يؤسس لنفسه معايير النجاح والفشل، والصواب والخطأ، لتكون محور الاتفاق للبرلماني والقضائي والحاكم والفرد.. ولن يؤسس المجتمع والدولة لمنظومة واضحة للحق الفردي بكل اشكاله المعنوية والمادية والحياتية، والحقوق العامة باصنافها، وهذه محاور اساسية ستدور حولها كل السلوكيات والمشروعيات، لاتخاذ القرارات ولتداول السلطة وللفصل بين السلطات ولاختصاصات وصلاحيات اي منها، ولدور ومكانة القوى السياسية والاحزاب التي لا تتعداها، ولكي تنتظم مشروعية العلاقة بجوار العراق وبدول العالم، بما يتوافق مع تاريخ وشخصية وتعددية وحضارة البلاد، بعيداً عن الامزجة والاهواء.
دخلت بلدان اخرى للتو في هذه الازمات، رغم الهدوء والاطمئنان الذي يطفو على السطح. وتحليلنا ان العراق في نهايات الخروج وبدايات التأسيس والتوازن الجديد، رغم الاختناقات والازمات التي تطفو على السطح. والعراق ستحمله تيارات صاعدة داخلية وخارجية هو اهل لها في موقعه وامكاناته.. ويستطيع، إن وعى الحقيقة، ان ينطلق عالياً، خصوصاً اذا ما استعاد ثقته بنفسه، وبحث عن الارقى والاكثر اتقاناً وتنظيماً ورشداً ومنفعة.. ووضع طموحاته وجهوده في مقدمة التطورات العلمية والتكنولوجية والاقليمية والعالمية، وليس في ذنبها وذيلها.
ستبقى المشاكل والازمات، لكن اشكالها ومضامينها ستتغير، وسنكون اكثر قدرة في السيطرة عليها، رغم انها قد تكون من نوع اكبر واكثر تعقيداً.