لبنان ليس بلداً مستقلاً!

جمانة حداد

(إلى مارسيل غانم)
الأربعاء، بعد غد، يعيّد لبنان واللبنانيون الذكرى السنوية للاستقلال. أسارع إلى القول، بلا تردّد: كلّ عيد، ولبنان، وأنتم، ونحن، بخير.
لكن، هل حقاً نحن في عيد، وهل حقاً نحن كلّنا بخير؟ لا أعتقد ذلك، لأني لا أمارس التعمية على نفسي، في الأمور الكبرى كما في الأمور الصغرى.
لبنان ليس بخير. لأن استقلاله ليس بخير. وسيادته على نفسه ليست بخير.
كيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كان حكّامه غير مستقلّين حقاً؟!
وكيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كان هؤلاء الحكّام لا يطبّقون دستوره، إلاّ عشوائياً، وجزئياً، وبانتقاص، مستخدمين "الاجتهاد" الذي يتخطى المعيار الدستوري في كثير من الأحيان، ويستدرج الاستقلال الافتراضي إلى مدار التبعيات والارتهانات الواقعية والفعلية للخارج، أياً يكن هذا الخارج؟!
وكيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كانت جهة إقليمية كبرى (الجمهورية الإسلامية في إيران) قادرة على التصريح بأن لبنان الدولة لا يستطيع اتخاذ أي قرار أساسي بمعزل عن نفوذها فيه؟!
وكيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كانت جهة إقليمية كبرى (المملكة العربية السعودية) قادرة على استدراج رئيس حكومته لإعلان استقالته من على أرضها، لا وفق الأصول الشرعية؟!
وكيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كان أحد أطرافه السياسيين يمتلك السيادة الحربية على نفسه وجماعته دون الدولة، ويجهر بانتمائه إلى دولة الوليّ الفقيه، بما يتناقض وسيادة الدولة على كل لبنان وعلى كلّ اللبنانيين؟!
وكيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كان انتماء جماعاته وأبنائه إلى طوائفهم ومذاهبهم وإلى... دول الخارج، متقدماً على انتمائهم إليه، دولةً ومؤسسات؟!
وكيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كانت سلطته القضائية ليست بخير، وتحسب الحسابات السياسية، وتفكّر ألف ألف مرة، قبل أن تتخذ أيّ قرار قضائي قد يتعارض مع هذه الفئة أو تلك، الأمر الذي ينفي نفياً قاطعاً مفهوم استقلاليتها عن السلطتين التنفيذية والتشريعية؟!
وكيف يكون استقلال لبنان بخير، إذا كانت حرياته الإعلامية ليست بخير، وإذا كانت السلطة السياسية قادرة على استخدام القانون و"تأويله" على ذوقها، و"الاجتهاد فيه"، و"تفسيره" بما يتلاءم ومصالحها، لترهيب الإعلام والإعلاميين، وتدجينهم، ومنعهم من الاعتراض على سياستها، كما يحصل مع الإعلاميين والناشطين المدنيين، بوتيرة مثيرة للقلق، ولا سيما في الأيام القليلة الماضية؟!
على رغم كلّ هذه التساؤلات "اللااستقلالية" الفادحة، سأظلّ أجتهد مع المجتهدين، لجعل لبنان دولة مستقلة، لا ساحة نفوذ لهذه وتلك من الدول، وسأظلّ أُقنِع نفسي بأن الحلم الاستقلالي ليس مستحيل الانجاز، إذا حلمناه جيداً، وبقوة، وعمق، وذكاء!