السيد العبادي وشعبه الكردي

شيرزاد شيخاني

بعد سنوات طويلة من القهر والحرمان والحكم التسلطي للأحزاب الكردية بإقليم كردستان، وبعد سلوك القيادة الكردية مسلك الفساد الذي قاد الإقليم الى الهاوية بسبب سرقات موازنات الدولة وبناء سلطة دكتاتورية بكامل أجهزتها القمعية، تطلعت جماهير كردستان الى يوم الخلاص الذي طال الى حين خاضت هذه القيادة حماقتها بإجراء الإستفتاء للإنفصال عن العراق، وكأن شعب كردستان كان يعيش في بحبوحة لا ينقصه سوى الإستقلال وبناء مشيخة أو مملكة تحكمها عشيرة بارزان .
وبعد أن أعادت السلطة الإتحادية سيطرتها على المناطق المتنازعة، وإستعادت الحكومة العراقية قوتها وفرضت العديد من الإجراءات الدستورية والقانونية على سلطة الإقليم، إنتعشت آمال شعب كردستان بتلك الإجراءات وخاصة ما يتعلق بسيطرة الدولة على عوائد النفط والجمارك وإخراجها من أيدي السراق والفاسدين، وتطلع أن تتحسن ظروفه المعيشية بعدما وصلت الى الحضيض بسبب إستفراد عوائل حاكمة بإيرادات الإقليم مقابل تجويع الشعب .
في هذا الوقت أطلق السيد حيدر العبادي الكثير من الوعود العسلية بسعيه لتحسين أحوال شعبنا، ولطالما ردد في تصريحاته ومؤتمراته الأسبوعية مظلومية شعبه بكردستان على أيدي السلطة الحاكمة، وتعهد بتأمين حياة حرة كريمة لهذا الشعب وإسترجاع حقوقه.
ولكن كعادة كل السياسيين في العراق والمنطقة لم تتجاوز تلك التصريحات حدود الوعود والأحلام الوردية المرسومة بالخيال، فزادت المعاناة أكثر من ذي قبل ، فعلاوة على نقص الرواتب التي باتت تتأخر أكثر من ذي قبل في ظل عجز حكومة الإقليم عن تدبير الموارد الكافية لدفعها للموظفين، والأهم من كل ذلك خفضت ساعات تجهيز الكهرباء في هذا الفصل البارد وتوقف توزيع النفط الأبيض على المواطنين مازاد من أسعاره بشكل مهول حتى عز على المواطنين وسيلة واحدة لتدفئة بيوتهم وهم يعيشون فوق بحر من النفط !.
في ظل هذه المعاناة فقد المواطنون أي أمل بتحسن أحوالهم رغم التغيير الذي حصل. فبدأ المرضى يعانون من فقدان الأدوية وسقط 21 مريضا بالثالاسيميا صرعى لنقص الدواء، وخفضت ساعات تجهيز الكهرباء الى أربع ساعات يوميا، وتأخرت رواتب المتقاعدين الى ما يقرب من شهرين.
لقد تطلعت الأنظار الى بغداد لحل جزء من المشاكل الحياتية التي يعاني منها المواطن الكردستاني، ولهذا خرجت تظاهرات تناشد السيد العبادي بنجدة الموظفون المعذبين في الأرض، ولكن السيد العبادي في لحظة زهوه وإنتصاره أخذته العزة بالنفس فنسي معاناة هذا الشعب، وإنشغل بإطلاق تصريحات نارية ضد قيادات الإقليم، ولم يقدم ولو على إجراء واحد يساعد بها الشعب الذي تشدق في تصريحاته أنه ( شعبه ) وبأنه لايفرق بينه وبين الآخرين من المواطنين العراقيين . وبذلك بدا السيد العبادي حاله حال جميع السياسيين العراقيين يعتاش على الصراعات الحزبية الضيقة ولايبالي بمصلحة الآخرين، وإلا هل يعجز رئيس وزراء العراق أن يبادر بدفع ولو ربع رواتب موظفي الإقليم للأشهر الثلاثة المنصرمة ريثما يتم تصديق موازنة الدولة ثم يستقطعها من حصة الإقليم؟. وهل يعجز سيادته وهو يقود دولة نفطية أن يرسل ملايين اللترات من النفط الأبيض الى سكان القرى بجبال كردستان لينجد ( شعبه الكردي) في هذا الفصل القارص الذين يضطرون  الى قطع الأشجار لتدفئة بيوتهم ؟. وهل يعجز دولته بإرسال الأدوية المكدسة بمخازن الدولة الى مستشفيات كردستان ليخفف من معاناة المرضى الذي يضطرون الى صرف مبالغ طائلة لشرائها من الصيدليات الأهلية؟.
لقد كان جزءا من شعب كردستان فرحين بعودتهم الى ظل الدولة القوية، ولكن يبدو أن آمالهم قد تبخرت وأن ما يجري اليوم لايعدو سوى عقوبة جماعية فعلية تفرضها السلطة الإتحادية على شعب الإقليم ، وإلا ما معنى أن يؤخر حسم رواتب موظفي كردستان وهي قوت أطفالهم بسبب المفاوضات السياسية بين أربيل وبغداد؟. إن كان السيد العبادي جادا في حرصه على شعبه الكردي لكان أجدر به أن يرسل ولو ربع رواتب الموظفين المتأخرة قبل أن تستفحل أمورهم المعيشية. وأن يرسل النفط الأبيض لكردستان قبل أن تنهمر الثلوج بالقرى الجبلية وتهدد حياة الناس هناك. وأن يرسل الأدوية اللازمة الى مستشفيات الإقليم قبل أن يهدد الموت أغلب المصابين بالأمراض المزمنة.
إن التأخير المتعمد في تحسين أحوال الشعب الكردستاني بعد كل ماحصل لن يخدم مصلحة السيد العبادي ولا حكومته، وقد تستغل الأحزاب المعادية له ذلك لتأليب الشعب ضده خاصة وأن متحدث حكومة الإقليم دعا مواطني كردستان قبل أيام الى الخروج للشوارع للإحتجاج على سياسات الحكومة الإتحادية، وحان الوقت أمام السيد العبادي إن كان حريصا فعلا على مصلحة شعبه الكردي أن يراجع مواقفه ويؤكد فعلا أنه رئيس لكل العراق وليس رئيسا لما وراء الخط الأزرق اللعين.